أدوات شخصية
User menu

الهجرة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الهجرة لغة

الهجرة هي الاسم من الهجر أو الهجران، وهي مأخوذة من مادّة (هـ ج ر) الّتي تدلّ على معنيين:

الأوّل: القطيعة، والآخر: شدّ شيء وربطه «1» . فمن الأوّل؛ أخذ الهجر ضدّ الوصل وكذلك الهجران، وقولهم:

هاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثّانية، كما فعل المهاجرون حين هاجروا من مكّة إلى المدينة، وقال الرّاغب: المهاجرة في الأصل: مصارمة الغير ومتاركته، من قوله- عزّ وجلّ- وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا (البقرة/ 218) .

والهجر والهجران مفارقة الإنسان غيره، إمّا بالبدن أو باللّسان أو بالقلب قال تعالى: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ (النساء/ 34) وهذا كناية عن عدم قربهنّ (مفارقة بالبدن) وقوله سبحانه: إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان/ 30) فهذا هجر بالقلب واللّسان، أمّا قوله- عزّ وجلّ- وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (المزمل/ 10) فيحتمل الثّلاثة، وقوله سبحانه: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (المدّثّر/ 5) حثّ على المفارقة بالوجوه كلّها.

وقال الجوهريّ: الهجر ضدّ الوصل، والمهاجرة من أرض إلى أرض، ترك الأولى للثّانية، والتّهاجر:

التّقاطع، والهجر أيضا: الهذيان، يقال من ذلك هجر المريض يهجر هجرا، فهو هاجر، والكلام مهجور، والهجر بالضّمّ: الاسم من الإهجار، وهو الإفحاش في المنطق، والخنا.

وقال ابن منظور: الهجرة والهجرة: الخروج من أرض إلى أرض. والمهاجرون: الّذين ذهبوا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، مشتقّ منه.

ويقال: هجره يهجره هجرا وهجرانا: صرمه.

وهما يهتجران ويتهاجران، والاسم الهجرة.

وتهجّر فلان أي تشبّه بالمهاجرين.

وقال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-: هاجروا ولا تهجّروا، قال أبو عبيد: يقول أخلصوا الهجرة لله ولا تشبّهوا بالمهاجرين على غير صحّة منكم. فهذا هو التّهجّر، وهو كقولك فلان يتحلّم وليس بحليم، ويتشجّع أي أنّه يظهر ذلك وليس فيه، قال الأزهريّ: وأصل المهاجرة عند العرب خروجالبدويّ من باديته إلى المدن. يقال: هاجر الرّجل إذا فعل ذلك، وكذلك كلّ مخل بمسكنه منتقل إلى قوم آخرين بسكناه.

فقد هاجر قومه. وسمّي المهاجرون مهاجرين لأنّهم تركوا ديارهم ومساكنهم الّتى نشأوا بها لله.

ولحقوا بدار ليس لهم بها أهل ولا مال حين هاجروا إلى المدينة، فكلّ من فارق بلده من بدويّ أو حضريّ أو سكن بلدا آخر، فهو مهاجر. قال الله- عزّ وجلّ-:

وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً (النساء/ 100) وكلّ من أقام من البوادي ببواديهم ومحاضرهم في القيظ ولم يلحقوا بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يتحوّلوا إلى أمصار المسلمين الّتي أحدثت في الإسلام وإن كانوا مسلمين، فهم غير مهاجرين، وليس لهم في الفيء نصيب ويسمّون الأعراب «1» .

واصطلاحا

هي ترك الوطن الّذي بين الكفّار، والانتقال إلى دار الإسلام «2» .

وقال الرّاغب: الهجرة: الخروج من دار الكفر إلى دار الإيمان كمن هاجر من مكّة إلى المدينة، قيل:

ومقتضى ذلك هجران الشّهوات والأخلاق الذّميمة والخطايا وتركها ورفضها «3» .

وقال الكفويّ: الهجرة: هجرتان: أولاهما:

هجرة المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة فرارا من أذى قريش، وثانيتهما: هجرة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين قبله وبعده ومعه إلى المدينة، وقد كانت الهجرة من فرائض الإسلام بعد هجرته صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ نسخت بعد فتح مكّة لقوله صلّى الله عليه وسلّم «لا هجرة بعد الفتح» «4» .

أنواع الهجرة

قال ابن الأثير: الهجرة هجرتان: إحداهما الّتي وعد الله عليها الجنّة في قوله: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (التوبة/ 111) فكان الرّجل يأتي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويدع أهله وماله، لا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إلى مهاجره، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكره أن يموت الرّجل بالأرض الّتي هاجر منها، فمن ثمّ قال: «لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن مات بمكّة.

وقال حين قدم مكّة: «اللهمّ لا تجعل منايانا بها» فلمّا فتحت مكّة صارت دار إسلام كالمدينة، وانقطعت الهجرة.

والهجرة الثّانية: من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى.

فهو مهاجر وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة وهو المراد بقوله «لا تنقطع الهجرة حتّى تنقطع التّوبة» فهذا وجه الجمع بين الحديثين.

وإذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنّما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة «5» .

الهجرة إلى الله ورسوله

قال ابن القيّم- رحمه الله-: الهجرة هجرتان:

هجرة إلى الله بالطّلب والمحبّة والعبوديّة والتّوكّل والإنابة والتّسليم والتّفويض والخوف والرّجاء والإقبال عليه وصدق اللّجأ والافتقار في كلّ نفس إليه. وهجرة إلى رسوله صلّى الله عليه وسلّم في حركاته وسكناته الظّاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه الّذي هو تفصيل محابّ الله ومرضاته.

ولا يقبل الله من أحد دينا سواه، وكلّ عمل سواه فعيش النّفس وحظّها لا زاد المعاد «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاتباع- الفرار إلى الله- مجاهدة النفس- الولاء والبراء- محاسبة النفس الرغبة والترغيب- التعارف.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- موالاة الكفار- الإعراض- التخاذل- التفريط والإفراط] .

الآيات الواردة في «الهجرة»

هجرة الأنبياء- صلوات الله عليهم أجمعين

1- وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) «1»


2- وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (23) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (25) * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) «2»

ثواب المهاجرين

3- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) «1»

4- رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) «2»


5-* وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) «3»

6- الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) «4»

7- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) «5»

8- لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (117) «6»

9- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) «7»

10- ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) «8»

11- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) «1»

موالاة المهاجرين ومعاملتهم

12- وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) «2»

13- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) «3»

14- وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) «4»

15-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) «5»

16- النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6) «6»

17 يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْيَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (50) «1»

18- لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (10) «2»

19- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) «3»

لا عذر عن عدم الهجرة

20- إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) «4»

ومن الآيات الواردة في «الهجرة» معنى

هجرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم

21 إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) «5»

الأحاديث الواردة في (الهجرة)

1-* (عن عمرو بن عبسة- رضي الله عنه- قال: أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله! من تبعك على هذا الأمر؟ قال: «حرّ وعبد» . قلت: ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام وإطعام الطّعام» .

قلت: ما الإيمان؟ قال «الصّبر والسّماحة» قال:

قلت: أيّ الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» قال: قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: «خلق حسن» قال: قلت: أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» قال: قلت: أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما هجر ربّك- عزّ وجلّ-» قال:

قلت: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده، وأهريق دمه» قال: قلت: أيّ السّاعات أفضل، قال: «جوف اللّيل الآخر» ثمّ الصّلاة مكتوبة مشهودة حتّى يطلع الفجر ... الحديث» ) * «1» .

2-* (عن مجاشع بن مسعود السّلميّ- رضي الله عنه- قال: أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله! جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة.

قال: «ذهب أهل الهجرة بما فيها» فقلت: على أيّ شيء تبايعه؟. قال «أبايعه على الإسلام والإيمان والجهاد» ) * «2» .

3-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: أقبل رجل إلى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله. قال: «فهل من والديك أحد حيّ؟» قال: نعم. بل كلاهما. قال:

«فتبتغي الأجر من الله؟» قال: نعم. قال: «فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما» ) * «3»

4-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه-:

أنّ أعرابيّا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن الهجرة فقال:

«ويحك، إنّ شأنها شديد، فهل لك من إبل تؤدّي صدقتها؟» قال: نعم. قال: «فاعمل من وراء البحار، فإنّ الله لن يترك «4» من عملك شيئا» ) * «5» .

5-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما-: أنّ ثلاثة نفر جاءوه. فقالوا: يا أبا محمّد! إنّا والله ما نقدر على شيء لا نفقة ولا دابّة ولا متاع.

فقال لهم: إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسّر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسّلطان.

وإن شئتم صبرتم. فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنّة بأربعين خريفا» قالوا: فإنّا نصبر لا نسأل شيئا) * «6» .

6-* (عن جنادة بن أبي أميّة- رضي الله عنه-أنّ رجالا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال بعضهم:

الهجرة قد انقطعت فاختلفوا في ذلك. فانطلقت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: يا رسول الله، إنّ ناسا يقولون إنّ الهجرة قد انقطعت. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد» ) * «1» .


7-* (عن عبد الله بن زيد- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا فتح حنينا قسّم الغنائم فأعطى المؤلّفة قلوبهم، فبلغه أنّ الأنصار يحبّون أن يصيبوا ما أصاب النّاس، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟، وعالة فأغناكم الله بي؟، ومتفرّقين فجمّعكم الله بي؟» . ويقولون: الله ورسوله أمنّ.

فقال: «ألا تجيبوني؟» ، فقالوا: الله ورسوله أمنّ. فقال: «أما إنّكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا- لأشياء عدّدها زعم عمرو أن لا يحفظها-.

فقال: ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، الأنصار شعار «2» والنّاس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم» «3» ) * «4» .


8-* (عن جابر- رضي الله عنه- أنّ الطّفيل ابن عمرو الدّوسيّ أتى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله! هل لك في حصن حصين ومنعة «5» ؟ (قال: حصن كان لدوس في الجاهليّة) فأبى ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

للّذي ذخر الله للأنصار. فلمّا هاجر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة هاجر إليه الطّفيل بن عمرو. وهاجر معه رجل من قومه.

فاجتووا المدينة «6» . فمرض، فجزع، فأخذ مشاقص «7» له، فقطع بها براجمه «8» ، فشخبت يداه «9» حتّى مات. فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه. فرآه وهيئته حسنة.

ورآه مغطّيا يديه. فقال له: ما صنع بك ربّك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيّه صلّى الله عليه وسلّم. فقال:

مالي أراك مغطّيا يديك؟ قال قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت. فقصّها الطّفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «اللهمّ، وليديه فاغفر» ) * «10» .

9-* (عن عمرو بن العاص- رضي الله عنه وهو في سياقة الموت- أنّه بكى طويلا، وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه، أما بشّرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكذا؟ أما بشّرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكذا؟ قال فأقبل بوجهه فقال: إنّ أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، إنّي قد كنت علىأطباق ثلاث «1» لقد رأيتني وما أحد أشدّ بغضا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته. فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النّار.


فلمّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت:

ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «مالك يا عمرو؟» قال: قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال:

«أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟» وما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أجلّ في عينيّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيّ منه إجلالا له.

ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأنّي لم أكن أملأ عينيّ منه.

ولو متّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنّة. ثمّ ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.


فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار. فإذا دفنتموني فشنّوا عليّ التّراب شنّا، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها. حتّى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربّي) * «2» . 10-* (عن أبي فاطمة- رضي الله عنه-:


أنّه قال: يا رسول الله! حدّثني بعمل أستقيم عليه وأعمله. قال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عليك بالهجرة، فإنّه لا مثل لها» ) * «3» .

11-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن أربعين، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة، ثمّ أمر بالهجرة فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين ثمّ توفّي صلّى الله عليه وسلّم) «4» .

12-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ فقراء المهاجرين يدخلون الجنّة قبل أغنيائهم بمقدار خمسمائة سنة» ) * «5» .

13-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّما الأعمال بالنّيّة، وإنّما لامرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوّجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» ) * «6» .


14-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: بلغنا مخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي، أنا أصغرهما، أحدهما: أبو بردة.

والآخر: أبو رهم.- إمّا قال في بضع وإمّا قال ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي- قال:

فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النّجاشيّبالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عنده، فقال جعفر: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعثنا هاهنا، وأمرنا بالإقامة، فأقيموا معنا، فأقمنا معه حتّى قدمنا جميعا.


قال: فوافقنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين افتتح خيبر، فأسهم لنا.. أو قال: أعطانا منها-، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها شيئا.

إلّا لمن شهد معه. إلّا لأصحاب سفينتنا مع جعفر وأصحابه. قسم لهم معهم، قال:


فكان ناس من النّاس يقولون لنا- يعني لأهل السّفينة-: نحن سبقناكم بالهجرة) * «1» .

15-* (عن العلاء بن الحضرميّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاث للمهاجر بعد الصّدر «2» » ) * «3» .


16-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: دخلت أسماء بنت عميس، وهي ممّن قدم معنا، على حفصة زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زائرة.

وقد كانت هاجرت إلى النّجاشيّ فيمن هاجر إليه، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها. فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس.


قال عمر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم منكم. فغضبت، وقالت كلمة: كذبت.

يا عمر! كلّا والله! كنتم مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في دار، أو في أرض البعداء البغضاء «4» في الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله، وايم الله، لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأسأله. وو الله! لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد على ذلك. قال فلمّا جاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: يا نبيّ الله! إنّ عمر قال كذا وكذا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان» قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتوني أرسالا «5» .

يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدّنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) * «6» .

17-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي «7» إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة، يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أنّي هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد.

ثمّ هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضابقرا «1» ، والله خير «2» ، فإذا هم النّفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير بعد، وثواب الصّدق الّذي آتانا الله بعد، يوم بدر» ) * «3» .

18-* (عن معقل بن يسار- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «العبادة في الهرج «4» كهجرة إليّ» ) * «5» .

19-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: قال رجل: يا رسول الله! أيّ الهجرة أفضل؟ قال:

«أن تهجر ما كره ربّك- عزّ وجلّ» وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر، وهجرة البادي. فأمّا البادي فيجيب إذا دعي ويطيع إذا أمر.

وأمّا الحاضر فهو أعظمهما بليّة وأعظمهما أجرا» ) * «6» .

20-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هاجر إبراهيم- عليه السّلام- بسارة فدخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبّار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم بامرأة هي من أحسن النّساء.

فأرسل إليه: أن يا إبراهيم، من هذه الّتي معك؟ قال: أختي، ثمّ رجع إليها، فقال: لا تكذّبي حديثي، فإنّي أخبرتهم أنّك أختي، والله، إن «7» على الأرض من مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت توضّأ وتصلّي، فقالت: اللهمّ إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي «8» إلّا على زوجي، فلا تسلّط عليّ الكافر. فغطّ «9» حتّى ركض «10» برجله. قالت: اللهمّ! إن يمت يقال هي قتلته.

فأرسل ثمّ قام إليها، فقامت توضّأ وتصلّي، وتقول: اللهمّ إن كنت آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجى إلّا على زوجى، فلا تسلّط عليّ هذا الكافر. فغطّ حتّى ركض برجله.

فقالت: اللهمّ! إن يمت فيقال هي قتلته.

فأرسل في الثّانية أو في الثّالثة. فقال: والله ما أرسلتم إليّ إلّا شيطانا.

أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها آجر «11» .

فرجعت إلى إبراهيم- عليه السّلام- فقالت: أشعرت أنّ الله كبت «12» الكافر وأخدم وليدة» ) * «13» .

21-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يوم افتتح مكّة: «لا هجرة «14»ولكن جهاد ونيّة، وإذا استنفرتم فانفروا، فإنّ هذا بلد حرّم الله يوم خلق السّماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنّه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد «1» شوكه ولا ينفّر صيده، ولا يلتقط لقطته إلّا من عرّفها، ولا يختلى خلاها «2» » قال العبّاس: يا رسول الله! إلّا الإذخر «3» فإنّه لقينهم «4» ولبيوتهم. قال: قال «إلّا الإذخر» ) * «5» .

22-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

«قدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المدينة فنزل أعلى المدينة في حيّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى بني النّجّار فجاءوا متقلّدي السّيوف، كأنّي أنظر إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النّجّار حوله، حتّى ألقى بفناء أبي أيّوب، وكان يحبّ أن يصلّي حيث أدركته الصّلاة ويصلّي في مرابض «6» الغنم، وأنّه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ من بني النّجّار فقال: «يا بني النّجّار! ثامنوني «7» بحائطكم هذا» قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم:

قبور المشركين، وفيه خرب «8» ، وفيه نخل. فأمر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقبور المشركين فنبشت، ثمّ بالخرب فسوّيت، وبالنّخل فقطع.

فصفّوا النّخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه «9» الحجارة، وجعلوا ينقلون الصّخر وهم يرتجزون، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم معهم وهو يقول:

اللهمّ لا خير إلّا خير الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره » ) * «10» .

23-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمكّة ثمّ أمر بالهجرة، وأنزل الله عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ (الإسراء/ 80 مكية) » ) * «11» .


24-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: إنّي قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلّا ابنة، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: «لا» . فقلت: بالشّطر؟ فقال: «لا» .

ثمّ قال: «الثّلث، والثّلث كبير- أو كثير-، إنّك أن تذرورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون النّاس «1» ، وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلّا أجرت بها حتّى ما تجعل في في امرأتك» .

فقلت: يا رسول الله! أخلّف بعد أصحابي؟ قال: «إنّك لن تخلّف «2» ، فتعمل عملا صالحا إلّا ازددت به درجة ورفعة، ثمّ لعلّك أن تخلّف حتّى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون، اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة» ، يرثي «3» له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن مات بمكّة) * «4» .

25-* (عن عائشة- رضي الله عنها- زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قالت: كانت المؤمنات، إذا هاجرن إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يمتحنهنّ. يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ (الممتحنة/ 20 مدنية) إلى آخر الآية. قالت عائشة:


فمن أقرّ بهذا الشّرط من المؤمنات فقد أقرّ بالمحنة «5» ، فكان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذا أقررن بذلك من قولهنّ.

قال لهنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «انطلقن فقد بايعتكنّ» لا والله ما مسّت يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يد امرأة قطّ، غير أنّه بايعهنّ بالكلام، والله ما أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على النّساء إلّا بما أمر الله، يقول لهنّ، إذا أخذ عليهنّ: «قد بايعتكنّ «كلاما» ) * «6» .


26-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما- قال: كنّا عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما حين طلعت الشّمس، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «سيأتي أناس من أمّتي يوم القيامة نورهم كضوء الشّمس» .


قلنا: من أولئك يا رسول الله؟ فقال: «فقراء المهاجرين، الّذين تتّقى بهم المكاره، يموت أحدهم وحاجته في صدره، يحشرون من أقطار الأرض» ) * «7» .


27-* (عن عبد الله بن السّعديّ- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدوّ يقاتل» .

فقال معاوية وعبد الرّحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهم-: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الهجرة خصلتان، إحداهما أن تهجر السّيّئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله.

ولا تنقطع الهجرة ما تقبّلت التّوبة، ولا تزال التّوبة مقبولة حتّى تطلع الشّمس من المغرب، فإذا طلعتطبع على كلّ قلب بما فيه، وكفي النّاس العمل» ) * «1» .

28-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: لمّا قدم المهاجرون المدينة من مكّة، وليس بأيديهم يعني شيئا-، وكانت الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن يعطوهم ثمار أموالهم كلّ عام، ويكفوهم العمل والمؤونة، وكانت أمّه، أمّ أنس، أمّ سليم، كانت أمّ عبد الله بن أبي طلحة، فكانت أعطت أمّ أنس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عذاقا «2» .

فأعطاهنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمّ أيمن مولاته أمّ أسامة بن زيد، قال ابن شهاب: فأخبرني أنس بن مالك: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لمّا فرغ من قتال أهل خيبر، فانصرف إلى المدينة، ردّ المهاجرون إلى الأنصار منائحهم «3»

من ثمارهم- فردّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى أمّه عذاقها، فأعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمّ أيمن مكانهنّ من حائطه «4» ) * «5» .

29-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ) * «6» .

30-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه قال: هاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجل من اليمن، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هجرت الشّرك، ولكنّه الجهاد، هل باليمن أبواك؟» قال: نعم. قال: «أذنا لك؟» قال: لا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ارجع إلى أبويك فإن فعلا وإلّا فبرّهما» ) * «7» .

31-* (عن أبي مسعود الأنصاري- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسّنّة، فإن كانوا في السّنّة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما «8» ، ولا يؤمّنّ الرّجل الرّجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته «9» إلّا بإذنه» ) * «10» .


32-* (عن أمّ سلمة- رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلّا أخلف الله له خيرا منها.

قالت: فلمّا مات أبو سلمة، قلت: أيّ المسلمين خير من أبي سلمة، أوّلبيت هاجر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ إنّي قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت: أرسل إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاطب ابن أبي بلتعة يخطبني له.

فقلت: إنّ لي بنتا وأنا غيور. فقال: «أمّا ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها.

وأدعو الله أن يذهب بالغيرة» ) * «1» .

الأحاديث الواردة في (الهجرة) معنى

33-* (عن ابن مسعود- رضي الله عنه- قال: بعثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى النّجاشيّ، ونحن نحو من ثمانين رجلا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى.

فأتوا النّجاشيّ، وبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، بهديّة، فلمّا دخلا على النّجاشيّ، سجدا له، ثمّ ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثمّ قالا له:

إنّ نفرا من بني عمّنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنّا وعن ملّتنا، قال: فأين هم؟ قال: هم في أرضك فابعث إليهم، فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتّبعوه، فسلّم، ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنّا لا نسجد إلّا لله- عزّ وجلّ-. قال:

وما ذاك: قال: إنّ الله- عزّ وجلّ- بعث إلينا رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأمرنا أن لا نسجد لأحد إلّا لله- عزّ وجلّ- وأمرنا بالصّلاة والزّكاة، قال عمرو بن العاص: فإنّهم يخالفونك في عيسى ابن مريم.

قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمّه؟ قالوا: نقول كما قال الله- عزّ وجلّ-: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول الّتي لم يمسّها بشر، ولم يفرضها ولد «2» .

قال: فرفع عودا من الأرض، ثمّ قال: يا معشر الحبشة والقسّيسين والرّهبان، والله ما يزيدون على الّذي نقول فيه ما يسوى هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنّه رسول الله، فإنّه الّذي نجد في الإنجيل، وإنّه الرّسول الّذي بشّر به عيسى ابن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أكون أنا أحمل نعليه وأوضّئه.

وأمر بهديّة الآخرين فردّت إليهما، ثمّ تعجّل عبد الله بن مسعود حتّى أدرك بدرا، وزعم أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم استغفر له حين بلغه موته) * «3» .

34-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل مكّة قال: «اللهمّ لا تجعل منايانا بها حتّى تخرجنا منها» «4» ) * «5» .

35-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: لمّا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة وعك «1» أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبت! كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول:

كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله.)

  • «2» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الهجرة)

36-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: أقبل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم شابّ لا يعرف. قال: فيلقى الرّجل أبا بكر فيقول:

يا أبا بكر! من هذا الرّجل الّذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرّجل يهديني السّبيل، قال فيحسب الحاسب أنّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخير.

فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال:

يا رسول الله! هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: اللهمّ اصرعه» فصرعه الفرس، ثمّ قامت تحمحم، فقال: يا نبيّ الله مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركنّ أحدا يلحق بنا.

قال: فكان أوّل النّهار جاهدا على نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، وكان آخر النّهار مسلحة «3» له، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جانب الحرّة، ثمّ بعث إلى الأنصار، فجاءوا إلى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر فسلّموا عليهما، وقالوا: اركبا آمنين مطاعين.

فركب نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر وحفّوا دونهما بالسّلاح، فقيل في المدينة: جاء نبيّ الله، جاء نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، فأشرفوا ينظرون ويقولون: جاء نبيّ الله.

فأقبل يسير حتّى نزل جانب دار أبي أيّوب، فإنّه ليحدّث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف «4» لهم، فعجل أن يضع الّذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ رجع إلى أهله، فقال نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم: «أيّ بيوت أهلنا أقرب؟» فقال أبو أيّوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي. قال فانطلق فهيّء لنا مقيلا «5» .

قال: قوما على بركة الله. فلمّا جاء نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنّك رسول الله، وأنّك جئت بحقّ. وقد علمت يهود أنّي سيّدهم وابنسيّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عنّي قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمت، فإنّهم إن يعلموا أنّي قد أسلمت، قالوا فيّ ما ليس فيّ.

فأرسل نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«يا معشر اليهود! ويلكم اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقّا، وأنّي جئتكم بحقّ، فأسلموا» . قالوا: ما نعلمه- قالوا للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: قالها ثلاث مرار- قال:

«فأيّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» قالوا: ذاك سيّدنا، وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال:

«أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم.

قال: «يا ابن سلام، اخرج عليهم فخرج» فقال: يا معشر اليهود، اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو، إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بحقّ. فقالوا:

كذبت، فأخرجهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) * «1» .

37-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: أوّل من قدم علينا مصعب بن عمير وابن أمّ مكتوم، وكانوا يقرئون «2» النّاس، فقدم بلال وسعد وعمّار بن ياسر، ثمّ قدم عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم، ثمّ قدم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، حتّى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما قدم حتّى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (الأعلى/ 1) في سور من المفصّل» ) * «3» .


38-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجرا.

فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي» . فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟. قال: «نعم» .

فحبس أبو بكر نفسه على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر أربعة أشهر.

قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظّهيرة، قال قائل لأبي بكر:

هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبلا متقنّعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فدا لك بأبي وأمّي.

والله إن جاء به في هذه السّاعة إلّا لأمر. فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال حين دخل لأبي بكر:

أخرج من عندك. قال: إنّما هم أهلك «4» بأبي أنت يا رسول الله! قال: فإنّى قد أذن لي في الخروج، قال:

فالصّحبة بأبي أنت يا رسول الله! قال: نعم. قال فخذ بأبي أنت يا رسول الله! إحدى راحلتيّ هاتين. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: بالثّمن.

قالت: فجهّزناهما أحثّ «5» الجهاز، ووضعنا لهما سفرة «6» في جراب، فقطعتأسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فأوكأت «1» به الجراب- ولذلك كانت تسمّى ذات النّطاقين- ثمّ لحق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور، فمكث فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر- وهو غلام شابّ لقن ثقف «2» فيرحل من عندهما سحرا فيصبح من قريش بمكّة كبائت، فلا يسمع أمرا يكادان به إلّا وعاه، حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسلهما حتّى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس «3» .

يفعل ذلك كلّ ليلة من تلك اللّيالي الثّلاث» ) * «4» .

39-* (عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: جاء أبو بكر- رضي الله عنه- إلى أبي في منزله فاشترى منه رحلا، فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي:

يا أبا بكر، حدّثني كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا ومن الغد حتّى قام قائم الظّهيرة، وخلا الطّريق لا يمرّ فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظلّ لم تأت عليه الشّمس فنزلنا عنده، وسوّيت للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مكانا بيدي ينام عليه، وبسطت عليه فروة وقلت له: نم يا رسول الله! وأنا أنفض لك ما حولك. فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصّخرة يريد منها مثل الّذي أردنا. فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة- أو مكّة- قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟ قال: نعم.


فأخذ شاة، فقلت: انفض الضّرع من التّراب والشّعر والقذى. قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض. فحلب في قعب «5» كثبة «6» من لبن، ومعي إداوة حملتها للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يرتوي منها يشرب ويتوضّأ.

فأتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللّبن حتّى برد أسفله. فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتّى رضيت، ثمّ قال: ألم يأن للرّحيل: قلت: بلى.

قال: فارتحلنا بعد ما مالت الشّمس، واتّبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله، فقال: لا تحزن، إنّ الله معنا.

فدعا عليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فارتطمت به فرسه إلى بطنها- أرى في جلد من الأرض «7» ، (شكّ زهير) - فقال: إنّي أراكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب. فدعا له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنجا.

فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلّا ردّه، قال: ووفى لنا» ) * «8» .

40-* (عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطّعام، فكان أبو هريرة ممّا يكثر أن يدعونا إلى رحله، فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع، ثمّ لقيت أبا هريرة من العشيّ. فقلت: الدّعوة عندي اللّيلة. فقال: سبقتني. قلت: نعم. فدعوتهم.

فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم؟ يا معشر الأنصار! ثمّ ذكر فتح مكّة. فقال: أقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى قدم مكّة.

فبعث الزّبير على إحدى المجنّبتين «1» ، وبعث خالدا على المجنّبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة على الحسّر «2» .

فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتيبة. قال: فنظر فرآني، فقال:

«أبو هريرة؟» قلت: لبّيك يا رسول الله! فقال: «لا يأتينى إلّا أنصاريّ» فقال: «اهتف لي بالأنصار «قال:

فأطافوا به. ووبّشت قريش أوباشا لها «3» وأتباعا.

فقالوا: نقدّم هؤلاء.

فإن كان لهم شيء كنّا معهم. وإن أصيبوا أعطينا الّذي سئلنا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم» ثمّ قال بيديه، إحداهما على الأخرى.

ثمّ قال: «حتّى توافوني بالصّفا» قال: فانطلقنا. فما شاء أحد منّا أن يقتل أحدا إلّا قتله. وما أحد منهم يوجّه إلينا شيئا.

قال: فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيحت خضراء قريش. لا قريش بعد اليوم. ثمّ قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» فقالت الأنصار، بعضهم لبعض: أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته. قال أبو هريرة:

وجاء الوحي. وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا. فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى ينقضي الوحي. فلمّا انقضى الوحي قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الأنصار؟» .

قالوا: لبّيك يا رسول الله! قال: «قلتم أمّا الرّجل فأدركته رغبة في قريته. قالوا:

قد كان ذاك. قال: «كلّا. إنّي عبد الله ورسوله. هاجرت إلى الله وإليكم. والمحيا محياكم. والممات مماتكم» . فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله، ما قلنا الّذي قلنا إلّا الضّنّ «4» بالله وبرسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله ورسوله يصدّقانكم ويعذرانكم» قال: فأقبل النّاس إلى دار أبي سفيان.

وأغلق النّاس أبوابهم. قال: وأقبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أقبل إلى الحجر. فاستلمه. ثمّ طاف بالبيت. قال: فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه. قال: وفي يد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قوس. وهو آخذ بسية القوس «5» .

فلمّا أتى على الصّنم جعل يطعنه في عينه ويقول: «جاء الحقّ وزهق الباطل» . فلمّا فرغ من طوافه أتى الصّفا فعلا عليه. حتّى نظر إلى البيت ورفع يديه، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو» ) * «6» .

من الآثار الواردة في (الهجرة)

1-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: كان فرض للمهاجرين الأوّلين أربعة آلاف في أربعة، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين. فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: «إنّما هاجر به أبواه. يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه» ) * «1» .

2-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها-.

فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت: كنت أريده لنفسي فلأوثرنّه اليوم على نفسي. فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال:

ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني، ثمّ سلّموا، ثمّ قل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين، إنّي لا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الّذين توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا.

فسمّى عثمان وعليّا وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص. وولج عليه شابّ من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله: كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثمّ استخلفت فعدلت، ثمّ الشّهادة بعد هذا كلّه.

فقال: ليتني يا ابن أخي وذلك كفافا لا عليّ ولا لي. أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين خيرا، أن يعرف لهم حقّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم.

وأوصيه بالأنصار خيرا، الّذين تبوّءوا الدّار والإيمان أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم.

وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلّفوا فوق طاقتهم» ) * «2» .


3-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّه كان إذا قيل له هاجر قبل أبيه يغضب قال: وقدمت أنا وعمر على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فوجدناه قائلا «3» فرجعنا إلى المنزل فأرسلني عمر، وقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟ فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثمّ انطلقت إلى عمر فأخبرته أنّه قد استيقظ، فانطلقنا إليه نهرول هرولة حتّى دخل عليه فبايعه، ثمّ بايعته» ) * «4» .


4-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّه قال لابن أبي موسى الأشعريّ: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال:

قلت: لا. قال: فإنّ أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرّك إسلامنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كلّه معه برد «5» لنا،وأنّ كلّ عمل عملناه بعده نجونا منه كفافا، رأسا برأس.

فقال أبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وصلّينا وصمنا وعملنا خيرا كثيرا، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنّا لنرجو ذلك، فقال أبي: لكنّى أنا والّذي نفس عمر بيده لوددت أنّ ذلك برد لنا وأنّ كلّ شيء عملنا بعد نجونا منه كفافا رأسا برأس. فقلت: إنّ أباك والله خير من أبي» ) * «1» .

5-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: كنت أقرىء عبد الرّحمن بن عوف، فلمّا كان آخر حجّة حجّها عمر، فقال عبد الرّحمن بمنى: لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل، قال: إنّ فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا.

فقال لعمر: لأقومنّ العشيّة فأحذّر هؤلاء الرّهط الّذين يريدون أن يغصبوهم.


قلت: لا تفعل، فإنّ الموسم يجمع رعاع النّاس يغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها فيطير بها كلّ مطير، فأمهل حتّى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السّنّة فتخلص بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك، وينزلوها على وجهها.

فقال: والله لأقومنّ به في أوّل مقام أقومه بالمدينة» ) * «2» .

6-* (عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبا بكر وعمر كانوا من المهاجرين، لأنّهم هجروا المشركين وكان من الأنصار مهاجرون، لأنّ المدينة كانت دار شرك فجاءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة العقبة) * «3» .

7-* (عن خبّاب- رضي الله عنه-؛ قال:

هاجرنا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، نلتمس وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، ومنّا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها «4» ، قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفّنه إلّا بردة إذا غطّينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن نغطّي رأسه وأن نجعل على رجليه من الإذخر «5» » ) * «6» .

8-* (عن سهل بن سعد- رضي الله عنه- قال: ما عدّوا من مبعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولا من وفاته ما عدّوا إلّا من مقدمه المدينة» ) * «7» .

9-* (قال العزّ بن عبد السّلام- رحمه الله تعالى- «الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان.


وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان. لما فيها من إرضاء الرّحمن، وإرغام النّفس والشّيطان» ) * «8» .

من فوائد (الهجرة)

(1) دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(2) إعلان العبوديّة الكاملة لله- عزّ وجلّ- والانقياد له.

(3) دليل محبّة الله ومحبّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

(4) دليل صلاح العبد واستقامته.

(5) الوعد بالكرامة والفوز بالجنّة.

(6) تفريج الكربات وحصول الخيرات.

(7) تمحيص للإيمان واختبار للإنسان.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٠ مارس ٢٠١٥ الساعة ١١:١٠.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٥٢٢ مرة.