أدوات شخصية
User menu

الوفاء

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الوفاء لغة

مصدر قولهم: وفى يفي وفاء، وهو مأخوذ من مادّة (وف ي) الّتي تدلّ على «إكمال وإتمام» يقول ابن فارس: ومن هذا الوفاء: إتمام العهد وإكمال الشّرط، ويقولون منه أيضا: أوفيتك الشّيء، إذا قضيته إيّاه وافيا، وتوفّيت الشّيء واستوفيته، إذا أخذته كلّه حتّى لم تترك منه شيئا «1» .


وقال الجوهريّ: الوفاء ضدّ الغدر، يقال: وفى بعهده وأوفى بمعنى، ووفى الشّيء وفيّا على (وزن) فعول أي تمّ وكثر «2» ، والوفيّ الوافي، ووفى على الشيء:

أشرف، وأوفاه حقّه ووفّاه بمعنى، واستوفى حقّه وتوفّاه بمعنى، وتوفّاه الله: قبض روحه، ووافى فلان: أتى، وتوافى القوم: تتامّوا «3» .

وقال الرّاغب: الوافي: الّذي بلغ التّمام من كلّ شيء، يقال: درهم واف وكيل واف، قال تعالى:

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ (الإسراء/ 35) ووفى بعهده وأوفى إذا تمّم العهد ولم ينقض حفظه، واشتقاق ضدّه وهو الغدر يدلّ على ذلك وهو ترك (الحفظ) ، والقرآن الكريم جاء بصيغة الرّباعيّ «أوفى» قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (البقرة/ 40) ، وتوفية الشّيء بذله وافيا، واستيفاؤه: تناوله وافيا، وقد عبّر عن النّوم والموت بالتّوفّي.

قال الكسائيّ وأبو عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء. والوفيّ: الّذي يعطي الحقّ ويأخذ الحقّ.

وفي حديث زيد بن أرقم: وفت أذنك وصدّق الله حديثك. كأنّه جعل أذنه في السّماع كالضّامنة بتصديق ما حكت، فلمّا نزل القرآن في تحقيق ذلك الخبر صارت الأذن كأنّها وافية بضمانها خارجة من التّهمة فيما أدّته إلى اللّسان.

وفي رواية: أوفى الله بأذنه. أي أظهر صدقه في إخباره عمّا سمعت أذنه.

يقال: وفى بالشّيء وأوفى ووفّى بمعنى واحد.

وأوفى الكيل أتمّه ولم ينقص منه شيئا. قال الله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِي، وَأَوْفُوا الْكَيْلَ* ، وفي الحديث: «فمررت بقوم تقرض شفاههم كلّما قرضت وفت» أي تمّت وطالت.

والموافاة: أن توافي إنسانا في الميعاد، توافينا فيالميعاد ووافيته فيه، وتوفّى المدّة: بلغها واستكملها، وهو من ذلك. وكلّ شيء بلغ تمام الكمال فقد وفى وتمّ، ويقال: أوفيته حقّه ووفّيته أجره «1» .

والوفاء في اللّغة: الخلق الشّريف العالي الرّفيع من قولهم: وفى الشّعر فهو واف إذا زاد، ووفيت له بالعهد أفي، ووافيت أوافي.

ومنه الوفاء بالعهد: وسمّي بذلك لما فيه من بلوغ تمام الكمال في تنفيذ كلّ ما عاهد عليه الله، وفي كلّ ما عاهد عليه العباد «2» .

الوفاء اصطلاحا

قال الجرجانيّ: الوفاء: هو ملازمة طريق المواساة، ومحافظة عهود الخلطاء «3» .

وقال الجاحظ: الوفاء: هو الصّبر على ما يبذله الإنسان من نفسه ويرهنه به لسانه «4» .

والخروج ممّا يضمنه (بمقتضى العهد الّذي قطعه على نفسه) وإن كان مجحفا به، فليس يعدّ وفيّا من لم تلحقه بوفائه أذيّة وإن قلّت، وكلّما أضرّ به الدّخول تحت ما حكم به على نفسه كان ذلك أبلغ في الوفاء «5» .

وقال الرّاغب: الوفاء بالعهد: إتمامه وعدم نقض حفظه «6» .

وقال أيضا: الوفاء صدق اللّسان والفعل معا «7» .

الوفاء قيمة إنسانية نادرة

للوفاء بالعهود قيمة إنسانيّة وأخلاقيّة عظمى لأنّه يرسي دعائم الثّقة في الأفراد ويؤكّد أواصر التّعاون في المجتمع، يقول الرّاغب الأصفهانيّ في ذلك: الوفاء: أخو الصّدق والعدل، والغدر: أخو الكذب والجور، ذلك أنّ الوفاء: صدق اللّسان والفعل معا، والغدر كذب بهما، لأنّ فيه مع الكذب نقض للعهد.

والوفاء: يختصّ بالإنسان، فمن فقد فيه (الوفاء) فقد انسلخ من الإنسانيّة، وقد جعل الله تعالى العهد من الإيمان وصيّره قواما لأمور النّاس، فالنّاس مضطرّون إلى التّعاون، ولا يتمّ تعاونهم إلّا بمراعاة العهد والوفاء به، ولولا ذلك لتنافرت القلوب وارتفع التّعايش.

ولذلك عظّم الله تعالى أمره فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (البقرة/ 40) ، وقيل في قوله- عزّ وجلّ-: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (المدثر/ 4) ، أي نزّه نفسك عن الغدر، وقد عظّم حال السّموأل فيما التزم به من الوفاء بدروعامرىء القيس، ممّا يدلّ على أنّ الوفاء قيمة عظيمة قدّرها عرب الجاهليّة.

وقد أقرّهم الإسلام على ذلك، ولا يستطيع ذلك إلّا القليلون، ولقلّة وجود ذلك في النّاس قال تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ (الأعراف/ 103) ، وقد ضرب به المثل في العزّة فقالت العرب: «هو أعزّ من الوفاء» «1» .

أنواع الوفاء

للوفاء أنواع عديدة باعتبار الموفى به، فهي قد تكون وفاء بالعهد، وقد تكون وفاء بالعقد أو الميثاق، وقد تكون وفاء بالوعد. وتوضيح ذلك فيما يلي:

الوفاء بالعهد: هو- كما ذكر الرّاغب- إتمامه وعدم نقض حفظه، ويتطابق من ثمّ صدق القول والعمل جميعا «2» ، وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- «العهود ما أحلّ الله وما حرّم وما فرض وما حدّ في القرآن كلّه» «3» .

أمّا الوفاء بالعقد: فالمراد به إمّا العهد، وبذلك يتطابق مع النّوع الأوّل، وقيل: العقود هي أوكد العهود، وقيل: هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل: هي ما يتعاقده النّاس فيما بينهم «4» .

أمّا الوفاء بالوعد: فالمراد به أن يصبر الإنسان على أداء ما يعد به الغير ويبذله من تلقاء نفسه، ويرهنه به لسانه حتّى وإن أضرّ به ذلك، وقد ذكرنا من قبل قول الجاحظ: وكلّما أضرّ به الدّخول تحت ما حكم به على نفسه كان ذلك أبلغ في الوفاء «5» .

[للاستزادة: انظر صفات: الاعتراف بالفضل الأمانة- الصدق- المسئولية- المواساة- كتمان السر- الإخلاص.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الغدر- الجحود نقض العهد- نكران الجميل- الخيانة- إفشاء السر- التنصل من المسئولية] .

الآيات الواردة في «الوفاء»

أولا: الوفاء بالعهد

أ- الوفاء بالعهد على سبيل الأمر

1- يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) «1»


2-* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) «2»


3- بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) «1»


4-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) «2»


5- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) «3»

ب- الوفاء بالعهد من سمات الإيمان

6-* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَفِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) «1»


7-* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) «2»


8-* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) «3»

9- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11) «4»


10- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (24) «5»

11-* إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) «1»


ج- الوفاء من صفة الله- عز وجل

12- وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) «2»


13-* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) «3»


د- الوفاء المطلق من صفة الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين

14- أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) «4»


هـ- الوفاء بالعهد سبيل الوصول إلى الأجر العظيم من الله- عز وجل

15- إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (10)سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) «1»

ثانيا: الوفاء بالعقود

16- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) «2»

ثالثا: الوفاء بالوعود

17- وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) «3»

18-* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) «4»

الآيات الواردة في «الوفاء» معنى

19- وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) «5»

20- وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96) «6»

21- وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (7) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً (8) «7»

الأحاديث الواردة في (الوفاء)

1-* (عن عقبة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أحقّ ما أوفيتم من الشّروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» ) * «1» .

2-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم أضمن لكم الجنّة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» ) * «2» .

3-* (عن وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنّه أخبره: أنّ أباه توفّي وترك عليه ثلاثين وسقا «3» لرجل من اليهود، فاستنظره «4» جابر، فأبى أن ينظره، فكلّم جابر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليشفع له إليه، فجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فكلّم اليهوديّ ليأخذ تمر نخله بالّتي له، فأبى، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّخل فمشى فيها، ثمّ قال لجابر: جدّ له «5» فأوف له الّذي له، فجدّه بعد ما رجع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخبره بالّذي كان، فوجده يصلّي العصر، فلمّا انصرف أخبره بالفضل «6» ، فقال:

أخبر ذلك ابن الخطّاب، فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال له عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليباركنّ فيها) * «7» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يؤتى بالرّجل المتوفّى عليه الدّين، فيسأل: هل ترك لدينه فضلا؟ فإن حدّث أنّه ترك لدينه وفاء صلّى، وإلّا قال للمسلمين: صلّوا على صاحبكم.

فلمّا فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفّي من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته» ) * «8» .

5-* (قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-:

فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنّه كان بالشّام في رجال من قريش قدموا تجارا «9» في المدّة الّتي كانت بين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبين كفّار قريش ... الحديث. وفيه:

قال- يعني قيصر- فماذا يأمركم به؟ قال «10» : يأمرناأن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.

فقال لترجمانه حين قلت ذلك له: قل له إنّي سألتك عن نسبه فيكم، فزعمت أنّه ذو نسب، وكذا الرّسل تبعث في نسب قومها.

وسألتك هل قال أحد منكم، هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان أحد منكم قال هذا القول قبله- قلت- رجل يأتمّ بقول قد قيل قبله.


وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا، فعرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ويكذب على الله.

وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت يطلب ملك آبائه، وسألتك أشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل، وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنّهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتّى يتمّ، وسألتك هل يرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا، فكذلك الإيمان حين تخلط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرّسل لا يغدرون.


وسألتك هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أن قد فعل، وأنّ حربكم وحربه تكون دولا، ويدال عليكم المرّة وتدالون عليه الأخرى، وكذلك الرّسل تبتلى وتكون لها العاقبة.

وسألتك بماذا يأمركم؟ فزعمت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عمّا كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصّلاة، والصّدقة، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة.

قال: وهذه صفة نبيّ قد كنت أعلم أنّه خارج، ولكن لم أعلم أنّه منكم، وإن يك ما قلت حقّا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه ... الحديث) * «1» .


6-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّ امرأة من جهينة جاءت إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ أمّي نذرت أن تحجّ فلم تحجّ حتّى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال: «نعم، حجّي عنها، أرأيت لو كان على أمّك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء» ) * «2» .

7-* (عن عليّ بن الحسين: أنّهم حين قدموا المدينة، من عند يزيد بن معاوية، مقتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما- لقيه المسور بن مخرمة، فقال له:

هل لك إليّ من حاجة تأمرني بها؟. قال: فقلت له: لا.

قال له: هل أنت معطيّ سيف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فإنّي أخاف أن يغلبك القوم عليه. وايم الله؛ لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا، حتّى تبلغ نفسي.

إنّ عليّ ابن أبي طالب خطب بنت أبي جهل على فاطمة.

فسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب النّاس في ذلك، على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم، فقال:

«إنّ فاطمة منّي. وإنّيأتخوّف أن تفتن في دينها «1» » . قال: ثمّ ذكر صهرا «2» له من بني عبد شمس. فأثنى عليه في مصاهرته إيّاه فأحسن. قال: «حدّثني فصدقني. ووعدني فأوفى لي.


وإنّي لست أحرّم حلالا «3» ولا أحلّ حراما. ولكن، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبنت عدوّ الله مكانا واحدا أبدا» ) * «4» .

8-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في خطبته: «أوفوا بحلف الجاهليّة، فإنّ الإسلام لم يزده إلّا شدّة، ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» ) * «5» .


9-* (عن عبادة بن الصّامت- رضي الله عنه- وكان شهد بدرا، وهو أحد النّقباء ليلة العقبة؛ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف.

فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه» . فبايعناه على ذلك) * «6» .


10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطّريق يمنع منه ابن السّبيل.

ورجل بايع إماما لا يبايعه إلّا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وفى له، وإلّا لم يف له. ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا، فصدّقه فأخذها، ولم يعط بها» ) * «7» .


11-* (عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين. فسمعته يحدّث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. قال:


«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء «8» . كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ «9» . وإنّه لا نبيّ بعدي. وستكون خلفاءفيكثرون» .

قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأوّل فالأوّل «1» . وأعطوهم حقّهم. فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم» ) * «2» .


12-* (عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- أنّه قال: يا رسول الله، إنّي نذرت في الجاهليّة أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«أوف نذرك» . فاعتكف ليلة) * «3» .

13-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيما روى عن الله- تبارك وتعالى- أنّه قال:

«يا عبادي، إنّي حرّمت الظّلم على نفسي «4» وجعلته بينكم محرّما. فلا تظّالموا «5» يا عبادي، كلّكم ضالّ «6» إلّا من هديته. فاستهدوني أهدكم.

يا عبادي، كلّكم جائع إلّا من أطعمته. فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي، كلّكم عار إلّا من كسوته.

فاستكسوني أكسكم. يا عبادي، إنّكم تخطئون «7» باللّيل والنّهار، وأنا أغفر الذّنوب جميعا.

فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي، إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني.

يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم. ما زاد ذلك في ملكي شيئا.

يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم. وإنسكم وجنّكم. كانوا على أفجر قلب رجل واحد. ما نقص ذلك من ملكي شيئا.

يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم. وإنسكم وجنّكم.

قاموا في صعيد واحد فسألوني. فأعطيت كلّ إنسان مسألته. ما نقص ذلك ممّا عندي إلّا كما ينقص المخيط «8» إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم.

ثمّ أوفّيكم إيّاها. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه» ) * «9» .

الأحاديث الواردة في (الوفاء) معنى

14-* (عن سعيد بن المسيّب- رضي الله عنه- قال: حدّث عثمان بن أبي العاص قال: آخر ما عهد إليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أممت قوما فأخفّ بهم الصّلاة» ) * «1» .

15-* (عن أمّ عطيّة- رضي الله عنها- قالت: أخذ علينا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند البيعة أن لا ننوح، فما وفت منّا امرأة غير خمس نسوة: أمّ سليم، وأمّ العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، وامرأتين، أو ابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى) * «2» .

16-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «اشترى رجل من رجل عقارا «3» له.

فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة «4» فيها ذهب. فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي.

إنّما اشتريت منك الأرض. ولم أبتع منك الذّهب.

فقال الّذي شرى الأرض «5» : إنّما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل. فقال الّذي تحاكما إليه:

ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية. وأنفقوا على أنفسكما منه. وتصدّقا» ) * «6» .

17-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهمّ، إنّي أتّخذ عندك عهدا لن تخلفنيه. فإنّما أنا بشر. فأيّ المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته. فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة، تقرّبه بها إليك يوم القيامة» ) * «7» .

18-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في قبّة: «اللهمّ إنّي أنشدك عهدك ووعدك. اللهمّ إن شئت لم تعبد بعد اليوم» .

فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربّك. وهو في الدّرع، فخرج وهو يقول:

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ* بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (القمر/ 45- 46) ، وقال وهيب:

حدّثنا خالد «يوم بدر» ) * «8» .

19-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّه سمع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل:

أبرص «9» وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم «10»

فبعث إليهم ملكا. فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عنّي الّذي قد قذرني «1» النّاس.

قال: فمسحه فذهب عنه قذره وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل (أو قال البقر. شكّ إسحاق) إلّا أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل.

وقال الآخر: البقر قال: فأعطي ناقة عشراء «2» . فقال:

بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا الّذي قذرني النّاس. قال: فمسحه، فذهب عنه، وأعطي شعرا حسنا.

قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملا. فقال: بارك الله لك فيها.

قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري فأبصر به النّاس.

قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا «3» . فأنتج هذان وولّد هذا «4» .

قال: فكان لهذا واد من الإبل. ولهذا واد من البقر. ولهذا واد من الغنم. قال: ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته «5» . فقال: رجل مسكين.

قد انقطعت بي الحبال «6» في سفري. فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك، بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلّغ عليه في سفري.

فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك. ألم تكن أبرص يقذرك النّاس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرا عن كابر «7» .

فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا. وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا. فقال: إن كنت كاذبا فصيّرك الله إلى ما كنت.

قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين وابن سبيل. انقطعت بي الحبال في سفري.

فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك، بالّذي ردّ عليك بصرك، شاة أتبلّغ بها في سفري.

فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري. فخذ ما شئت. ودع ما شئت. فو الله لا أجهدك اليوم «8» شيئا أخذته لله.

فقال: أمسك مالك. فإنّما ابتليتم. فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك» ) * «9» .

20-* (عن جابر- رضي الله عنه- أنّ رجلا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يقال له المزر؟ فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أو مسكر هو؟» قال: نعم.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كلّ مسكر حرام. إنّ على الله عزّ وجلّ- عهدا، لمن يشرب المسكر، أن يسقيه من طينة الخبال» قالوا: يا رسول الله؛ وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النّار، أو عصارة أهل النّار» ) * «1» .

21-* (عن ابن محيريز؛ أنّ رجلا من بني كنانة يدعى المخدجيّ سمع رجلا بالشّام يدعى أبا محمّد يقول: إنّ الوتر واجب، قال المخدجيّ: فرحت إلى عبادة بن الصّامت فأخبرته، فقال عبادة: كذب أبو محمّد، سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ شيئا استخفافا بحقّهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد: إن شاء عذّبه، وإن شاء أدخله الجنّة» ) * «2» .


22-* (عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ أنّ كفّار قريش، كتبوا إلى ابن أبيّ ومن كان يعبد معه الأوثان، من الأوس، والخزرج، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومئذ بالمدينة، قبل وقعة بدر: إنّكم آويتم صاحبنا، وإنّا نقسم بالله لتقاتلنّه أو لتخرجنّ أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتّى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم فلمّا بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا لقتال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا بلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لقيهم فقال:

«لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟» .


فلمّا سمعوا ذلك من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، تفرّقوا، فبلغ ذلك كفّار قريش، فكتبت كفّار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنّكم أهل الحلقة «3» والحصون، وإنّكم لتقاتلنّ صاحبنا، أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل- فلمّا بلغ كتابهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أجمعت بنو النّضير بالغدر، فأرسلوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منّا ثلاثون حبرا، حتّى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك، آمنّا بك، [فقصّ خبرهم] فلمّا كان الغد، غدا عليهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالكتائب فحصرهم فقال لهم:


«إنّكم والله لا تأمنون عندي إلّا بعهد تعاهدوني عليه» فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك. ثمّ غدا على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النّضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه.

فانصرف عنهم، وغدا على بني النّضير بالكتائب فقاتلهم، حتّى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النّضير، واحتملوا ما أقلّت الإبل منأمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النّضير لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم خاصّة، أعطاه الله إيّاها، وخصّه بها، فقال: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ الحشر/ 6) يقول:


بغير قتال، فأعطى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أكثرها للمهاجرين، وقسّمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة، لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، الّتي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها-) * «1» .

23-* (عن كعب- رضي الله عنه- أنّه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتّى سمعها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو في بيته، فخرج إليهما حتّى كشف سجف «2» حجرته فنادى: يا كعب، قال: لبّيك يا رسول الله، قال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه أي الشّطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: قم فاقضه» ) * «3» .


24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أنّه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال: فأئتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا.

قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمّى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثمّ التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الّذي أجّله فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثمّ زجّج موضعها «4» ، ثمّ أتى بها إلى البحر فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت تسلّفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك. وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بذلك.

وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الّذي له فلم أقدر، وإنّي أستودعكها. فرمى بها في البحر حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرّجل الّذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة الّتي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الّذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الّذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الّذي جئت فيه. قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الّذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدّينار راشدا» ) * «5» .


25-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء؛ لا ينجيكم إلّاالصّدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهمّ، إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ، فذهب وتركه، وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق. فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة.


فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا؛ وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر.


فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء.

فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلّا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدّينار.

فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا» ) * «1» .

26-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كنت مع عليّ بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى أهل مكّة ببراءة قال: ما كنتم تنادون؟ قال: كنّا ننادي: أنّه لا يدخل الجنّة إلّا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد فإنّ أجله- أو أمده- إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة الأشهر فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك، فكنت أنادي حتّى صحل صوتي «2» » ) * «3» .

27-* (عن عبد الله بن عامر- رضي الله عنه- أنّه قال: دعتني أمّي يوما ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما أردت أن تعطيه» ؟ قالت:

أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنّك لو لم تعطيه «4» شيئا كتبت عليك كذبة» ) * «5» .

28-* (عن أمّ هانىء ابنة أبي طالب- رضي الله عنها- قالت: «ذهبت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عامالفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، فسلّمت عليه فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أمّ هانىء بنت أبي طالب.

فقال: «مرحبا بأمّ هانىء» ، فلمّا فرغ من غسله قام فصلّى ثمان ركعات ملتحفا في ثوب واحد. فقلت:

يا رسول الله، زعم ابن أمّي عليّ، أنّه قاتل رجلا قد أجرته؛ فلان ابن هبيرة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «قد أجرنا من أجرت يا أمّ هانىء» ، قالت أمّ هانىء:

وذلك ضحى) * «1» .

29-* (عن أبي جريّ جابر بن سليم، قال:

رأيت رجلا يصدر النّاس عن رأيه، لا يقول شيئا إلّا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قال: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قلت: أنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: «أنا رسول الله الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة «2» فدعوته أنبتها لك وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك» قلت: اعهد إليّ، قال: «لا تسبّنّ أحدا» قال:

فما سببت بعده حرّا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة، قال:

«ولا تحقرنّ شيئا من المعروف، وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إنّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار، فإنّها من المخيلة «3» ، وإنّ الله لا يحبّ المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه» ) * «4» .

30-* (عن بريدة- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة، فمن تركها فقد كفر» ) * «5» .

31-* (عن عبد الرّحمن بن عبد ربّ الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظلّ الكعبة. والنّاس مجتمعون عليه.

فأتيتهم. فجلست إليه. فقال: كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في سفر. فنزلنا منزلا. فمنّا من يصلح خباءه.

ومنّا من ينتضل «6» ومنّا من هو في جشره «7» إذ نادى منادي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الصّلاة جامعة «8» .

فاجتمعنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلّا كان حقّا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم.

وإنّ أمّتكم هذه جعل عافيتها في أوّلها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. وتجيء فتنة فيرقّق بعضها بعضا «9» ، وتجيء الفتنة، فيقولالمؤمن: هذه مهلكتي. ثمّ تنكشف. وتجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه هذه.

فمن أحبّ أن يزحزح عن النّار ويدخل الجنّة، فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وليأت إلى النّاس الّذي يحبّ أن يؤتى إليه «1» .

ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعت هذا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه. وقال:

سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمّك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل.

ونقتل أنفسنا. والله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (4/ النساء/ 29) . قال: فسكت ساعة ثمّ قال: «أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله) * «2» .

32-* (عن سليم بن عامر- رجل من حمير- قال: كان بين معاوية، وبين الرّوم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتّى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة، ولا يحلّها حتّى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية) * «3» .

33-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يردّ مشدّهم على مضعفهم، ومتسرّعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» ) * «4» .


34-* (عن أبي بكر الصّدّيق- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من صلّى الصّبح، فهو في ذمّة الله. فلا تخفروا الله في عهده. فمن قتله، طلبه الله حتّى يكبّه في النّار على وجهه» ) * «5» .

35-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مرضه: «وددت أنّ عندي بعض أصحابي» قلنا: يا رسول الله، ألا ندعو لك أبا بكر؟

فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت. قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: «نعم» فجاء، فخلا به، فجعل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يكلّمه. ووجه عثمان يتغيّر. قال قيس:

فحدّثني أبو سهلة، مولى عثمان: أنّ عثمان بن عفّان قال يوم الدّار: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد إليّ عهدا. فأنا صائر إليه.

وقال عليّ في حديثه: وأنا صابر عليه. قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم» ) * «1» .

36-* (عن عليّ- رضي الله عنه- قال: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ صلّى الله عليه وسلّم إليّ: «لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق» ) * «2» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (الوفاء)

37-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

ابتاع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من رجل من الأعراب جزورا «3» أو جزائر بوسق من تمر الذّخرة- وتمر الذّخرة العجوة- فرجع به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بيته والتمس له التّمر فلم يجده فخرج إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال له: «يا عبد الله! إنّا قد ابتعنا منك جزورا أو جزائر بوسق من تمر الذّخرة فالتمسناه فلم نجده، قال: فقال الأعرابيّ: واغدراه، قالت: فنهمه «4» النّاس وقالوا: قاتلك الله، أيغدر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟. قالت: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» ، ثمّ عاد له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا عبد الله إنّا ابتعنا منك جزائرك ونحن نظنّ أنّ عندنا ما سمّينا لك، فالتمسناه فلم نجده» فقال الأعرابيّ: واغدراه، فنهمه النّاس، وقالوا: قاتلك الله، أيغدر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

«دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» ، فردّد ذلك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّتين أو ثلاثا، فلمّا رآه لا يفقه عنه قال لرجل من أصحابه: اذهب إلى خويلة بنت حكيم بن أميّة فقل لها: رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لك: إن كان عندك وسق من تمر فأسلفيناه حتّى نؤدّيه إليك إن شاء الله» فذهب إليها الرّجل، ثمّ رجع الرّجل فقال: قالت: نعم، هو عندي يا رسول الله فابعث من يقبضه، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم للرّجل: «اذهب به فأوفه الّذي له» قال: فذهب به فأوفاه الّذي له.

قالت: فمرّ الأعرابيّ برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو جالس في أصحابه فقال: جزاك الله خيرا. فقد أوفيت وأطيبت.

قالت: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أولئك خيار عباد الله عند الله الموفون المطيّبون» ) * «5» .

38-* (عن أبي رافع- رضي الله عنه- قال:

بعثتني قريش إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلمّا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألقي في قلبي الإسلام. فقلت: يا رسول الله، إنّي والله لا أرجع إليهم أبدا. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي لاأخيس بالعهد «1» ، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع، فإن كان في نفسك، الّذي في نفسك الآن، فارجع» قال: فذهبت، ثمّ أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأسلمت) * «2» .

39-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: بينما يهوديّ يعرض سلعته، أعطي بها شيئا كرهه، فقال: لا والّذي اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار، فقام فلطم وجهه، وقال: تقول:


والّذي اصطفى موسى على البشر، والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرنا؟ فذهب إليه فقال: أبا القاسم، إنّ لي ذمّة وعهدا، فما بال فلان لطم وجهي؟ فقال: «لم لطمت وجهه؟» فذكره، فغضب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حتّى رؤي في وجهه، ثمّ قال: «لا تفضّلوا بين أولياء الله، فإنّه ينفخ في الصّور فيصعق من في السّماوات ومن في الأرض إلّا من شاء الله، ثمّ ينفخ فيه أخرى فأكون أوّل من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب بصعقته يوم الطّور، أم بعث قبلي» ) * «3» .


40-* (عن المسور بن مخرمة ومروان- رضي الله عنهما- قالا: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زمن الحديبية، حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ خالد ابن الوليد بالغميم «4» في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين.

فو الله ما شعر بهم خالد حتّى إذا هم بقترة «5» الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال النّاس: حل حل «6» .

فألحّت. فقالوا: خلأت القصواء «7» . فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل «8» . ثمّ قال: والّذي نفسي بيده لا يسألونني خطّة «9» يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها.

ثمّ زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى الحديبية على ثمد «10» قليل الماء يتبرّضه النّاس «11» تبرّضا، فلم يلبّثه «12» النّاس حتّى نزحوه، وشكي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم العطش؛ فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتّى صدروا عنه «13» .

فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في نفر من قومه من خزاعة- وكانوا عيبة نصح «14» رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من أهل تهامة- فقال: إنّي تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ، نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهمالعوذ المطافيل «1» ، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين النّاس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا «2» .

وإن هم أبوا فو الّذي نفسي بيده، لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي «3» ، ولينفذنّ الله أمره» فقال بديل: سأبلّغهم ما تقول. قال:

فانطلق حتّى أتى قريشا، قال: إنّا جئناكم من هذا الرّجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا.

فقال: سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرونا عنه بشيء. وقال ذوو الرّأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال سمعته يقول كذا وكذا. فحدّثهم بما قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى.


قال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ، فلمّا بلّحوا «4» عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى.

قال: فإنّ هذا قد عرض عليكم خطّة رشد، اقبلوها ودعوني آته. قالوا ائته. فأتاه، فجعل يكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نحوا من قوله لبديل.

فقال عروة عند ذلك: أي محمّد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله «5» قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإنّي والله لا أرى وجوها، وإنّي لأرى أشوابا «6» من النّاس خليقا «7» أن يفرّوا ويدعوك. فقال له أبو بكر:


امصص بظر اللّات «8» ، أنحن نفرّ عنه وندعه؟ فقال:

من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.

قال: وجعل يكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكلّما تكلّم كلمة أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعه السّيف وعليه المغفر «9» ، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضرب يده بنعل السّيف وقال له: أخّر يدك عن لحية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غدر «10» ، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما في الجاهليّة فقتلهم وأخذ أموالهم ثمّ جاءفأسلم.

فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أمّا الإسلام فأقبل، وأمّا المال فلست منه في شيء» . ثمّ إنّ عروة جعل يرمق «1» أصحاب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعينيه.

قال: فو الله ما تنخّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نخامة «2» إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه «3» ، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له.

فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنّجاشيّ، والله إن رأيت مليكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم محمّدا والله إن يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له. وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا:

ائته. فلمّا أشرف على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هذا فلان، وهو من قوم يعظّمون البدن «4» ، فابعثوها له.» فبعثت له، واستقبله النّاس يلبّون. فلمّا رأى ذلك قال:

سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت. فلمّا رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلّدت وأشعرت، فما أرى أن يصدّوا عن البيت. فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال: دعوني آته.

فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «هذا مكرز، وهو رجل فاجر» فجعل يكلّم النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فبينما هو يكلّمه إذ جاء سهيل بن عمرو.

قال معمر: فأخبرني أيّوب عن عكرمة أنّه لمّا جاء سهيل بن عمرو، قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «قد سهل لكم من أمركم» قال معمر:

قال الزّهريّ في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال:

هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم الكاتب، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

بسم الله الرّحمن الرّحيم فقال سهيل: أمّا «الرّحمن» فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهمّ، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم:

«اكتب: باسمك اللهمّ» . ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمّد ابن عبد الله» ، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني، اكتب: محمّد بن عبد الله» .


قال الزّهريّ: وذلك لقوله: «لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» . فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به. فقال سهيل: والله لا تتحدّث العرب أنّا أخذنا ضغطة «5» .

ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنّه لا يأتيك منّا رجل وإن كان علىدينك إلّا رددته إلينا. قال المسلمون: سبحان الله، كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده «1» ، وقد خرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمّد أوّل من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّا لم نقض الكتاب بعد» .

قال: فو الله إذا لم أصالحك على شيء أبدا. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «فأجزه لي» ، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال: «بلى فافعل» ، قال: ما أنا بفاعل.


قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلما؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في الله. قال: فقال عمر بن الخطّاب: فأتيت نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت: ألست نبيّ الله حقّا؟ قال: «بلى» قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال:

«بلى» قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟ قال: «إنّي رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري» ، قلت: أو ليس كنت تحدّثنا، أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنّا نأتيه العام؟» قال: قلت: لا. قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» .


قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبيّ الله حقّا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحقّ وعدّونا على الباطل؟ قال: بلى.

قلت: فلم نعطي الدّنيّة في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرّجل، إنّه لرسول الله، وليس يعصي ربّه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه «2» ، فو الله إنّه على الحقّ.

قلت: أليس كان يحدّثنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه ومطوّف به.

قال الزّهريّ: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا. قال: فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه:

قوموا فانحروا ثمّ احلقوا. قال: فو الله ما قام منهم رجل، حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقي من النّاس، فقالت أمّ سلمة: يا نبيّ الله، أتحبّ ذلك؟ اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلّم أحدا منهم حتّى فعل ذلك: نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتّى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا.


ثمّ جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى (الممتحنة/ 10) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ حتّى بلغ بِعِصَمِ الْكَوافِرِ فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشّرك، فتزوّج إحداهما، معاوية بن أبي سفيان والأخرى، صفوان بن أميّة، ثمّ رجع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير- رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرّجلين، فخرجا به حتّى بلغا ذاالحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرّجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدا، فاستلّه الآخر فقال: أجل، والله إنّه لجيّد، لقد جرّبت به ثمّ جرّبت.


فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتّى برد «1» ، وفرّ الآخر حتّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ، فلمّا انتهى إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: قتل والله صاحبي وإنّي لمقتول.

فجاء أبو بصير فقال: يا نبيّ الله، قد والله أوفى الله ذمّتك قد رددتني إليهم، ثمّ أنجاني الله منهم. قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ويل أمّه مسعر حرب «2» لو كان له أحد» فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج حتّى أتى سيف البحر «3» .

قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلّا لحق بأبي بصير، حتّى اجتمعت منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشّام إلّا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم.

فأرسلت قريش إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تناشده الله والرّحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إليهم، فأنزل الله تعالى (الفتح/ 24) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ حتّى بلغ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وكانت حميّتهم أنّهم لم يقرّوا أنّه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببسم الله الرّحمن الرّحيم، وحالوا بينهم وبين البيت) * «4» .



41-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: كنت مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فكنت على جمل ثفال «5» إنّما هو في آخر القوم، فمرّ بي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «من هذا؟» قلت جابر بن عبد الله. قال:

«مالك؟» قلت: إنّي على جمل ثفال. قال: «أمعك قضيب؟» قلت: نعم. قال: «أعطنيه» ، فأعطيته فضربه فزجره، فكان من ذلك المكان من أوّل القوم.

قال: «بعنيه» ، فقلت: بل هو لك يا رسول الله. قال:

«بل بعينه. قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره «6» إلى المدينة» . فلمّا دنونا من المدينة أخذت أرتحل، قال: «أين تريد؟» قلت: تزوّجت امرأة قد خلا منها.

قال: «فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» . قلت: إنّ أبي توفّي وترك بنات فأردت أن أنكح امرأة قد جرّبت، خلا منها، قال: «فذلك» .

فلمّا قدمنا المدينة قال: «يا بلال اقضه، وزده» . فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا.

قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فلم يكن القيراط يفارق جراب جابر بن عبد الله) * «7» .

42-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنهما- قال: ما منعني أن أشهد بدرا إلّا أنّي خرجت أنا وأبي حسيل.

قال: فأخذنا كفّار قريش. قالوا: إنّكم تريدونمحمّدا؟ فقلنا: ما نريده. ما نريد إلّا المدينة.

فأخذوا منّا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبرناه الخبر. فقال: «انصرفا. نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم» ) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الوفاء)

1-* (عن أبي جحيفة- رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبيض قد شاب، وكان الحسن بن عليّ يشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصا، فذهبنا نقبضها فأتانا موته فلم يعطونا شيئا، فلمّا قام أبو بكر قال: من كانت له عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عدة فليجىء، فقمت إليه فأخبرته، فأمر لنا بها» ) * «2» .

2-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا.

فلمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجاء مال البحرين قال أبو بكر: من كانت له عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عدة فليأتني، فأتيته فقلت: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد كان قال لي: لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا. فقال لي: احثه. فحثوت حثية. فقال لي: عدّها. فعددتها،

فإذا هي خمسمائة، فأعطاني ألفا وخمسمائة» ) * «3» .

3-* (عن عمرو بن ميمون الأوديّ؛ قال:

رأيت عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنّه اليوم على نفسي. فلمّا أقبل: قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين.


قال: ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني، ثمّ سلّموا، ثمّ قل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين، إنّي لا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الّذين توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا فسمّى عثمان وعليّا وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص.


وولج عليه شابّ من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله: كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثمّ استخلفت فعدلت، ثمّ الشّهادة بعد هذا كلّه. قال: ليتني يا ابن أخي، وذلك كفافا لا عليّ ولا لي.

أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين خيرا، أن يعرف لهم حقّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم.

وأوصيه بالأنصار خيرا، الّذين تبوّءوا الدّار والإيمان أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم. وأوصيه بذمّة اللهوذمّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم أن يوفّى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلّفوا فوق طاقتهم» ) * «1» .

4-* (عن معدان «2» بن أبي طلحة اليعمريّ:

أنّ عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- قام على المنبر يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وذكر أبا بكر، ثمّ قال: «رأيت رؤيا لا أراها إلّا لحضور أجلي، رأيت كأنّ ديكا نقرني نقرتين، قال:


وذكر لي أنّه ديك أحمر، فقصصتها على أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر، فقالت: يقتلك رجل من العجم، قال: وإنّ النّاس يأمرونني أن أستخلف، وإنّ الله لم يكن ليضيع دينه وخلافته الّتي بعث بها نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وإن يعجل بي أمر فإنّ الشّورى في هؤلاء السّتّة الّذين مات نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم وهو عنهم راض، فمن بايعتم منهم فاسمعوا له وأطيعوا، وإنّي أعلم أنّ أناسا سيطعنون في هذا الأمر، أنا قاتلتهم بيدي هذه على الإسلام، أولئك أعداء الله الكفّار الضّلّال، وايم الله، ما أترك فيما عهد إليّ ربّي فاستخلفني شيئا أهمّ إليّ من الكلالة «3» ، وايم الله ما أغلظ لي نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم في شيء منذ صحبته أشدّ ما أغلظ لي في شأن الكلالة، حتّى طعن بإصبعه في صدري، وقال: تكفيك آية الصّيف «4» الّتي نزلت في آخر سورة النّساء «5» ، وإنّي إن أعش فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من يقرأ ومن لا يقرأ، وإنّي أشهد الله على أمراء الأمصار، أنّي إنّما بعثتهم ليعلّموا النّاس دينهم، ويبيّنوا لهم سنّة نبيّهم صلّى الله عليه وسلّم ويرفعوا إليّ ما عمّي عليهم، ثمّ إنّكم أيّها النّاس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلّا خبيثتين، هذا الثّوم والبصل.

وايم الله لقد كنت أرى نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم يجد ريحهما من الرّجل فيأمر به فيؤخذ بيده فيخرج به من المسجد حتّى يؤتى به البقيع، فمن أكلهما لا بدّ فليمتهما طبخا، قال: فخطب النّاس يوم الجمعة وأصيب يوم الأربعاء» ) * «6» .

5-* (عن أبيّ بن كعب في قول الله- عزّ وجلّ- وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ «7» وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية، قال:

جمعهم فجعلهم أرواحا ثمّ صوّرهم فاستنطقهم فتكلّموا، ثمّ أخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربّكم.

قال: فإنّي أشهد عليكم السّماوات السّبع، والأرضين السّبع، وأشهد عليكم أباكم آدم- عليه السّلام- أن تقولوا يوم القيامة لم نعلم بهذا، اعلموا أنّه لا إله غيري، ولا ربّ غيري،فلا تشركوا بي شيئا، إنّي سأرسل إليكم رسلي، يذكّرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي. قالوا:

شهدنا بأنّك ربّنا وإلهنا، لا ربّ لنا غيرك، فأقرّوا بذلك ورفع عليهم آدم ينظر إليهم، فرأى الغنيّ والفقير، وحسن الصّورة، ودون ذلك، فقال: ربّ لولا سوّيت بين عبادك، قال: إنّي أحببت أن أشكر.

ورأى الأنبياء فيهم مثل السّرج عليه النّور، خصّوا بميثاق آخر في الرّسالة والنّبوّة، وهو قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ... إلى قوله: عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (الأحزاب/ 7) كان في تلك الأرواح فأرسله إلى مريم) * «1» .


6-* (قيل: «إذا أردت أن تعرف وفاء الرّجل ودوام عهده فانظر إلى حنينه إلى أوطانه، وتشوّقه إلى إخوانه، وكثرة بكائه على ما مضى من زمانه» ) * «2» .

7-* (قال الشّاعر:

تعجيل وعد المرء أكرومة ... تنشر عنه أطيب الذّكر والحرّ لا يمطل معروفه ... ولا يليق المطل بالحرّ ) *

8-* (وقال آخر:

ولقد وعدت وأنت أكرم واعد ... لا خير في وعد بغير تمام أنعم عليّ بما وعدت تكرّما ... فالمطل يذهب بهجة الإنعام ) * «3» .

9-* (وقال آخر:

وميعاد الكريم عليه دين ... فلا تزد الكريم على السّلام يذكّره سلامك ما عليه ... ويغنيك السّلام عن الكلام ) * «4» .

10-* (وأنشدوا:

إذا قلت في شيء «نعم» فأتمّه ... فإنّ «نعم» دين على الحرّ واجب وإلّا فقل «لا» تسترح وترح بها ... لئلّا يقول النّاس إنّك كاذب ) * 11-* (وقال آخر:

لا كلّف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلّا بما تجد فلا تعد عدة إلّا وفيت بها ... واحذر خلاف مقال للّذي تعد ) * «5» .

12-* (وقال آخر:

اشدد يديك بمن بلوت وفاء ... إنّ الوفاء من الرّجال عزيز ) * «6» .

13-* (من قصص الوفاء: وأمّا الوفاء بالعهد ورعاية الذّمم: فقد نقل فيه من عجائبالوقائع، وغرائب البدائع، ما يطرب السّماع، ويشنّف المسامع، كقضيّة الطّائيّ وشريك، نديمي النّعمان بن المنذر.

وتلخيص معناها أنّ النّعمان كان قد جعل له يومين: يوم بؤس، من صادفه فيه قتله وأرداه، ويوم نعيم، من لقيه فيه أحسن إليه وأغناه، وكان هذا الطّائيّ قد رماه حادث دهره بسهام فاقته وفقره، فأخرجته الفاقة من محلّ استقراره ليرتاد شيئا لصبيته وصغاره، فبينما هو كذلك إذ صادفه النّعمان في يوم بؤسه، فلمّا رآه الطّائيّ علم أنّه مقتول وأنّ دمه مطلول.


فقال: حيّا الله الملك إنّ لي صبية صغارا، وأهلا جياعا، وقد أرقت ماء وجهي في حصول شيء من البلغة لهم، وقد أقدمني سوء الحظّ على الملك في هذا اليوم العبوس، وقد قربت من مقرّ الصّبية والأهل وهم على شفا تلف من الطّوى، ولن يتفاوت الحال في قتلي بين أوّل النّهار وآخره، فإن رأى الملك أن يأذن لي في أن أوصّل إليهم هذا القوت وأوصي بهم أهل المروءة من الحيّ، لئلّا يهلكوا ضياعا ثمّ أعود إلى الملك وأسلّم نفسي لنفاذ أمره.

فلمّا سمع النّعمان صورة مقاله، وفهم حقيقة حاله، ورأى تلهّفه على ضياع أطفاله، رقّ له ورثى لحاله، غير أنّه قال له: لا آذن لك حتّى يضمنك رجل معنا، فإن لم ترجع قتلناه، وكان شريك بن عديّ بن شرحبيل نديم النّعمان معه فالتفت الطّائيّ إلى شريك وقال له:

يا شريك بن عديّ ... ما من الموت انهزام من لأطفال ضعاف ... عدموا طعم الطّعام بين جوع وانتظار ... وافتقار وسقام يا أخا كلّ كريم ... أنت من قوم كرام يا أخا النّعمان جد لي ... بضمان والتزام ولك الله بأنّي ... راجع قبل الظّلام فقال شريك بن عديّ: أصلح الله الملك، عليّ ضمانه، فمرّ الطّائيّ مسرعا، وصار النّعمان يقول لشريك: إنّ صدر النّهار قد ولّى، ولم يرجع، وشريك يقول: ليس للملك عليّ سبيل حتّى يأتي المساء، فلمّا قرب المساء، قال النّعمان لشريك: قد جاء وقتك قم فتأهّب للقتل، فقال شريك: هذا شخص قد لاح مقبلا، وأرجو أن يكون الطّائيّ، فإن لم يكن فأمر الملك ممتثل، قال: فبينما هم كذلك وإذ بالطّائيّ قد اشتدّ في عدوه وسيره مسرعا، حتّى وصل، فقال: خشيت أن ينقضي النّهار قبل وصولي، ثمّ وقف قائما، وقال: أيّها الملك، مر بأمرك فأطرق النّعمان ثمّ رفع رأسه وقال:


والله ما رأيت أعجب منكما، أمّا أنت يا طائيّ فما تركت لأحد في الوفاء مقاما يقوم فيه، ولا ذكرا يفتخر به، وأمّا أنت يا شريك فما تركت لكريم سماحة يذكر بها في الكرماء، فلا أكون أنا ألأم الثلاثة، ألا وإنّي قد رفعت يوم بؤسي عن النّاس، ونقضت عادتي، كرامة لوفاء الطّائيّ وكرم شريك. فقال الطّائيّ:


ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فعددت قولهم من الإضلال إنّي امرؤ منّي الوفاء سجية ... وفعال كلّ مهذّب مفضالفقال له النّعمان: ما حملك على الوفاء وفيه إتلاف نفسك، فقال: ديني، فمن لا وفاء فيه لا دين له، فأحسن إليه النّعمان ووصله بما أغناه وأعاده مكرّما إلى أهله وأناله ما تمنّاه) * «1» .


14-* (ومن ذلك ما حكي أنّ الخليفة المأمون، لمّا ولّى عبد الله بن طاهر بن الحسين مصر والشّام، وأطلق حكمه دخل على المأمون بعض إخوانه يوما فقال: يا أمير المؤمنين إنّ عبد الله بن طاهر يميل إلى ولد أبي طالب، وهواه مع العلويّين، وكذلك كان أبوه قبله، فحصل عند المأمون شيء من كلام أخيه من جهة عبد الله بن طاهر، فتشوّش فكره وضاق صدره.

فاستحضر شخصا وجعله في زيّ الزّهّاد، والنّسّاك الغزاة ودسّه إلى عبد الله بن طاهر وقال له:


امض إلى مصر، وخالط أهلها، وداخل كبراءها واستملهم إلى القاسم بن محمّد العلويّ، واذكر مناقبه، ثمّ بعد ذلك اجتمع ببعض بطانة عبد الله بن طاهر، ثمّ اجتمع بعبد الله بن طاهر بعد ذلك وادعه إلى القاسم بن محمّد العلويّ، واكشف باطنه، وابحث عن دفين نيّته وائتني بما تسمع.


ففعل ذلك الرّجل ما أمره به المأمون، وتوجّه إلى مصر، ودعا جماعة من أهلها، ثمّ كتب ورقة لطيفة ودفعها إلى عبد الله بن طاهر وقت ركوبه، فلمّا نزل من الرّكوب وجلس في مجلسه، خرج الحاجب إليه وأدخله على عبد الله بن طاهر، وهو جالس وحده، فقال له: لقد فهمت ما قصدته، فهات ما عندك فقال: ولي الأمان؟ قال: نعم فأظهر له ما أراده ودعاه إلى القاسم بن محمّد.

فقال له عبد الله، أو تنصفني فيما أقوله لك؟. قال نعم قال: فهل يجب شكر النّاس بعضهم لبعض عند الإحسان والمنّة؟ قال: نعم، قال: فيجب عليّ وأنا في هذه الحالة الّتي تراها من الحكم والنّعمة، والولاية، ولي خاتم في المشرق، وخاتم في المغرب، وأمري فيما بينهما مطاع، وقولي مقبول.

ثمّ إنّي ألتفت يمينا وشمالا فأرى نعمة هذا الرّجل غامرة، وإحسانه فائضا عليّ، أفتدعوني إلى الكفر بهذه النّعمة، وتقول اغدر وجانب الوفاء، والله لو دعوتني إلى الجنّة عيانا لما غدرت ولما نكثت بيعته، وتركت الوفاء له. فسكت الرّجل فقال له عبد الله:


والله، ما أخاف إلّا على نفسك. فارحل من هذا البلد، فلمّا يئس الرّجل منه وكشف باطنه وسمع كلامه رجع إلى المأمون فأخبره بصورة الحال فسرّه ذلك، وزاد في إحسانه إليه، وضاعف إنعامه عليه» ) * «2» .


15-* (وممّا أسفرت عنه وجوه الأوراق، وأخبرت به الثّقات في الآفاق، وظهرت روايته بالشّام والعراق، وضرب به الأمثال في الوفاء بالاتّفاق، حديث السّموأل بن عاديا، وتلخيص معناه أنّ امرأ القيس الكنديّ، لما أراد المضيّ إلى قيصر ملك الرّوم، أودع عند السّموأل دروعا وسلاحا، وأمتعة تساوي من المال جملة كثيرة. فلمّا مات امرؤ القيس أرسل ملك كندة يطلب الدّروع والأسلحة المودعة عند السّموأل.

فقالالسّموأل لا أدفعها إلّا لمستحقّها. وأبى أن يدفع إليه منها شيئا، فعاوده فأبى، وقال لا أغدر بذمّتي، ولا أخون أمانتي، ولا أترك الوفاء الواجب عليّ.

فقصده ذلك الملك من كندة بعسكره فدخل السّموأل في حصنه، وامتنع به. فحاصره ذلك الملك، وكان ولد السّموأل خارج الحصن فظفر به ذلك الملك فأخذه أسيرا ثمّ طاف حول الحصن وصاح بالسّموأل. فأشرف عليه من أعلى الحصن.

فلمّا رآه قال له: إنّ ولدك قد أسرته، وها هو معي، فإن سلّمت إليّ الدروع والسّلاح الّتي لامرىء القيس عندك، رحلت عنك وسلّمت إليك ولدك، وإن امتنعت من ذلك ذبحت ولدك وأنت تنظر، فاختر أيّهما شئت.

فقال له السّموأل: ما كنت لأخفر ذمامي، وأبطل وفائي، فاصنع ما شئت. فذبح ولده وهو ينظر.

ثمّ لمّا عجز عن الحصن رجع خائبا، واحتسب السّموأل ذبح ولده وصبر، محافظة على وفائه.

فلمّا جاء الموسم وحضر ورثة امرىء القيس سلّم إليهم الدّروع والسّلاح. ورأى حفظ ذمامه ورعاية وفائه أحبّ إليه من حياة ولده وبقائه.

فصارت الأمثال في الوفاء تضرب بالسّموأل، وإذا مدحوا أهل الوفاء في الأنام ذكر السّموأل في الأوّل.

وكم أعلى الوفاء رتبة من اعتقله بيديه، وأغلى قيمة من جعله نصب عينيه، واستنطق الأفواه لفاعله بالثّناء عليه، واستطلق الأيدي المقبوضة عنه بالإحسان إليه» ) * «1» .

16-* (قال الشّاعر:

سقى الله أطلال الوفاء بكفّه ... فقد درست أعلامه ومنازله ) * «2» .


من فوائد (الوفاء)

(1) من أوفى بعهد الله من توحيده وإخلاص العبادة له، أوفى الله بعهده من توفيقه إلى الطّاعات وأسباب العبادات.

(2) الّذين يوفون بعهد الله، هم أولو الألباب وهم الّذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله فوعدهم أنّ لهم الجنّة ومن أوفى بعهده من الله؟

(3) مدح الله الموفين بعهودهم كثيرا في القرآن.

(4) الوفاء صفة أساسيّة في بنية المجتمع الإسلاميّ، حيث تشمل سائر المعاملات، إذ كلّ المعاملات والعلاقات الاجتماعيّة والوعود والعهود تتوقّف على الوفاء، فإذا انعدم الوفاء انعدمت الثّقة، وساء التّعامل وساد التّنافر.

(5) من أهمّ الوفاء، الوفاء بالعهود من بيعة وبيع ودين ونذر وشروط تتعلّق بالمعاملات الماليّة والاجتماعيّة

(6) المسلم المتمسّك بالوفاء في كلّ أحواله يجد في نفسه سعادة عظيمة عندما يوفّي حقوق الله- عزّ وجلّ كاملة وحقوق إخوانه المسلمين. ولا ينسى حقّ أهله ونفسه عليه فيعطي كلّ ذي حقّ حقّه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٣.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٤٠٢ مرة.