أدوات شخصية
User menu

اليقين

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


اليقين لغة

مصدر قولهم «يقن» وهو راجع إلى مادّة (ي ق ن) الّتي تدلّ على زوال الشّكّ، وقيل: اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدّراية وأخواتها، يقال: علم يقين ولا يقال: معرفة يقين.

وقال الجوهريّ: اليقين: العلم وزوال الشّكّ، يقال منه: يقنت الأمر يقنا (ويقنا) ، وأيقنته وأيقنت به واستيقنته واستيقنت به وتيقّنت: كلّه بمعنى: أي علمته وتحقّقته، ويقال: هو يقن، ويقن ويقن، ويقنة، وميقان: إذا كان لا يسمع شيئا إلّا أيقنه.

وقال ابن منظور: اليقين هو العلم وإزاحة الشّكّ وتحقيق الأمر. يقال من ذلك: أيقن يوقن إيقانا فهو موقن، ويقن ييقن يقنا فهو يقن، واليقين: نقيض الشّكّ، والعلم نقيض الجهل، تقول علمته يقينا (أي علما لا شكّ فيه) وفي التّنزيل العزيز: إِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (الحاقة/ 51) أضاف الحقّ إلى اليقين لا أنّه غيره، إنّما هو خالصه وأصحّه، فصار بمنزلة إضافة البعض إلى الكلّ، واليقين هو الموت في قوله تعالى وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (الحجر/ 99) وإنّما صارت الياء واوا في قولك موقن للضّمّة قبلها.

وإذا صغّرتها رددتها إلى الأصل في قولك مييقن. وربّما عبّروا عن الظّنّ باليقين، وباليقين عن الظّنّ «1» .

اليقين اصطلاحا

قال الرّاغب: اليقين هو سكون الفهم مع ثبات الحكم «2» .

وقال المناويّ: اليقين هو العلم بالشّيء بعد أن كان صاحبه شاكّا فيه، ولذلك لا يطلق على علمه تعالى «3» .

وقال الكفويّ: اليقين هو أن تعلم الشّيء ولا تتخيّل خلافه «4» .

وقال في موضع آخر: اليقين: هو الاعتقاد الجازم الثّابت المطابق للواقع، وقيل: هو عبارة عن العلم المستقرّ في القلب لثبوته من سبب متعيّن له بحيث لا يقبل الانهدام «5» .

وقال التّهانويّ: اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق الثّابت، أي الّذي لا يزول بتشكيك المتشكّك،فبالاعتقاد يخرج الشّك، وبالجازم يخرج الظّنّ، وبالمطابق يخرج الجهل، وبالثّابت يخرج اعتقاد المقلّد «1» .

وقال الجرجانيّ: اعتقاد الشّيء بأنّه كذا مع اعتقاد أنّه لا يمكن إلّا كذا مطابقا للواقع غير ممكن الزّوال «2» .

الفرق بين التصديق والإيقان

الفرق بين التّصديق والإيقان: أنّ اليقين قد يكون ضروريّا والتّصديق اختياريّ إذ قد يحدث اليقين ولا يحدث التّصديق وذلك كمن شاهد معجزة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يصدّق به، هذا في الدّنيا، أمّا في الآخرة فإنّ التّصديق يكون مقدّما على اليقين إذ لا يحدث اليقين بأحوال الآخرة إلّا بتصديق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما أخبر به عن ربّه في ذلك «3» . وقد يذكر اليقين بمعنى التّصديق (الإيمان) للمناسبة بينهما «4» .

متى يكون (لفظ) الظن يقينا؟

سبق أن ذكرنا أنّ الظّنّ قد يعبّر عنه باليقين وأنّ اليقين قد يعبّر عنه بالظّنّ، وقد نقل عن مجاهد قوله:

كلّ ظنّ في القرآن فهو يقين وهذا مشكل في كثير من الآيات، وقد ذكر المحقّقون ضوابط لتحديد المراد بالظّنّ.

أحدها: أنّه حيث وجد الظّنّ محمودا مثابا عليه فهو يقين وحيث وجد مذموما متوعّدا عليه بالعذاب فهو الشّكّ. (وهذا من جهة المعنى) .

الثّاني: أنّ كلّ ظنّ يتّصل به أن (المخفّفة من الثّقيلة) فهو شكّ وكلّ ظنّ يتّصل به أنّ المشدّدة فهو يقين «5» .

منزلة اليقين

قال ابن القيّم- رحمه الله-: ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة/ 5) منزلة اليقين وهو من الإيمان بمنزلة الرّوح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمّر العاملون، وعمل القوم إنّما كان عليه، وإشاراتهم كلّها إليه، وإذا تزوّج الصّبر باليقين. ولد بينهما حصول الإمامة في الدّين.

قال تعالى:- وبقوله يهتدي المهتدون-، وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (السجدة/ 24) وخصّ سبحانه وتعالى أهل اليقين بالانتفاع بالآيات والبراهين، فقال- وهو أصدق القائلين- وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ الذاريات/ 20) وخصّ أهل اليقين بالهدى والفلاح بين العالمين، فقال سبحانه: ... وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ البقرة/ 4- 5) وأخبر عن أهل النّار: بأنّهم لم يكونوا من أصحاب اليقين، فقال عزّ من قائل: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُإِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ الجاثية/ 32) ، فاليقين روح أعمال القلوب الّتي هي أرواح أعمال الجوارح وهو حقيقة الصّدّيقيّة، وقطب هذا الشّيء الّذي عليه مداره، واليقين قرين التّوكّل، ولهذا فسّر التّوكّل بقوّة اليقين. ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا وانتفى عنه كلّ شكّ وريب، وهمّ وغمّ، فامتلأ محبّة لله، وخوفا منه، ورضى به، وشكرا له، وتوكّلا عليه وإنابة إليه، فهو مادّة جميع المقامات والحامل لها «1» .

واليقين يحمل على مباشرة الأهوال وركوب الأخطار، وهو يأمر بالتّقدّم دائما، فإن لم يقارنه العلم حمل على المعاطب، والعلم (وحده) يأمر بالتّأخّر دائما وبالإحجام، فإن لم يصبه اليقين فقد يصدّ صاحبه عن المكاسب والمغانم «2» .

علامات اليقين

قال الفيروز آباديّ: ثلاثة من أعلام اليقين:

1- قلّة مخالطة النّاس في العشرة.

2- ترك المدح لهم في العطيّة.

3- التّنزّه عن ذمّهم عند المنع.

ومن علاماته أيضا:

النّظر إلى الله في كلّ شيء، والرّجوع إليه في كلّ أمر، والاستعانة به في كلّ حال «3» .

أنواع اليقين

قال أبو بكر الورّاق- رحمه الله-: اليقين على ثلاثة أوجه: يقين خبر، ويقين دلالة، ويقين مشاهدة.

يريد بيقين الخبر سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به، ويقين الدّلالة ما هو فوقه وهو أن يقيم له مع وثوقه بصدقه الأدلّة الدّالّة على ما أخبر به وهذا كعامّة الأخبار بالإيمان والتّوحيد وهو في القرآن، فإنّه سبحانه مع كونه أصدق القائلين الصّادقين يقيم لعباده الأدلّة والبراهين على صدق أخباره، فيحمل لهم اليقين من الوجهين، من جهة الخبر ومن جهة التّدليل. فيرتفعون من ذلك إلى الدّرجة الثّالثة وهي يقين المكاشفة بحيث يكون المخبر به كالمرئيّ لعيونهم، فنسبة الإيمان بالغيب هي إلى القلب كنسبة المرئيّ إلى العين، وهذا أعلى أنواع اليقين، وهي الّتي أشار إليها عامر بن عبد القيس في قوله: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا» وليس هذا من كلام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا من كلام عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه- كما يظنّه من لا علم له بالمنقولات «4» .


درجات اليقين

اليقين على ثلاث درجات:

أ- علم اليقين: وهو ما ظهر من الحقّ، وقبول ما غاب للحقّ، والوقوف على ما قام بالحقّ فالّذي ظهرمن الحقّ هو أوامره ونواهيه ودينه الّذي أظهره على ألسنة رسله. والّذي غاب للحقّ: هو الإيمان بالغيب كالجنّة والنّار والصّراط والحساب ونحو ذلك، أمّا الوقوف على ما قام بالحقّ أي من أسمائه وصفاته وأفعاله.

ب- عين اليقين: ما استغنى به صاحبه عن طلب الدّليل لأنّ الدّليل يطلب للعلم بالمدلول، فإذا كان المدلول مشاهدا له. فلا حاجة حينئذ للاستدلال.

ج- حقّ اليقين: وهذه منزلة الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام، فقد رأى نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بعينه الجنّة والنّار وكلّم الله تعالى موسى- عليه السّلام- بلا واسطة، أمّا بالنّسبة لنا فإنّ حقّ اليقين يتأخّر إلى وقت اللّقاء.

وممّا يوضّح ذلك: أن يخبرك شخص أنّ عنده عسلا وأنت لا تشكّ في صدقه. ثمّ أراك إيّاه فازددت يقينا، ثمّ ذقت منه. فالأوّل علم اليقين، والثّاني عين اليقين، والثّالث حقّ اليقين.

فعلمنا الآن بالجنّة والنّار: علم اليقين، فإذا أزلفت الجنّة للمتّقين، وشاهدها الخلائق، وبرّزت الجحيم للغاوين، وعاينها الخلائق فذلك: عين اليقين، فإذا أدخل أهل الجنّة الجنّة، وأهل النّار النّار فذلك حينئذ حقّ اليقين «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- التوكل- الثبات- السكينة- الطمأنينة- العلم- الفطنة- الفقه- الإيمان- تذكر الموت- الرضا- حسن الظن البصيرة والفراسة- التقوى- الزهد.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: سوء الظن- الشك- القلق- الكفر- الوسوسة- الجزع- طول الأمل- اليأس- الجهل- سوء الظن- السخط] .

الآيات الواردة في «اليقين»

العمل للآخرة دليل اليقين

1- الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) «1»

2- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) «2»

3- طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) «3»


4- الم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) «4»

اليقين هبة من الله لبعض عباده

5- وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) «5»

الطريق إلى اليقين

6-* وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىكَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) «1»

7- المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) «2»

8- حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8) «3»


9- حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) «4»

10- ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) «5»

11- إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) «6»

ثواب أهل اليقين

12- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) «1»

حق اليقين في أحوال أهل الآخرة

13 فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) «2»

14- فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) وَما لا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) «3»

عين اليقين بالرؤية

15- وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (25) «4»

16- وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَأُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31) «1»

17- أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) «2»

لم يقتل عيسى ابن مريم يقينا

18- يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) «3»

اليقين بمعنى الموت

19- فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) «4»

20- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) «5»

الأحاديث الواردة في (اليقين)

1-* (عن أسماء- رضي الله عنها- قالت:

خسفت الشّمس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فدخلت على عائشة وهي تصلّي. فقلت: ما شأن النّاس يصلّون؟ فأشارت برأسها إلى السّماء. فقلت: آية؟ قالت: نعم.

فأطال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القيام جدّا. حتّى تجلّاني الغشي «1» . فأخذت قربة من ماء إلى جنبي.

فجعلت أصبّ على رأسي أو على وجهي من الماء.

قالت: فانصرف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد تجلّت الشّمس.

فخطب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النّاس. فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:" أمّا بعد. ما من شيء لم أكن رأيته إلّا قد رأيته في مقامي هذا. حتّى الجنّة والنّار.

وإنّه قد أوحي إليّ أنّكم تفتنون في القبور قريبا أو مثل فتنة المسيح الدّجّال. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرّجل؟ فأمّا المؤمن أو الموقن. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: هو محمّد، هو رسول الله، جاءنا بالبيّنات والهدى. فأجبنا وأطعنا. ثلاث مرار. فيقال له: نم. قد كنّا نعلم أنّك لتؤمن به.

فنم صالحا. وأمّا المنافق أو المرتاب (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: لا أدري. سمعت النّاس يقولون شيئا فقلت» ) * «2» .

2-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلّى؟ ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشّكّ وليبن على ما استيقن. ثمّ يسجد سجدتين قبل أن يسلّم. فإن كان صلّى خمسا، شفعن له صلاته.

وإن كان صلّى إتماما لأربع، كانتا ترغيما للشّيطان «3» » ) * «4» .

3-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما؛ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله- عزّ وجلّ- أيّها النّاس فأسألوه وأنتم موقنون بالإجابة فإنّ الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» ) * «5» .

تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا، وكونوا كما أمركم الله تعالى» ) * «1» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كنّا قعودا حول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، معنا أبو بكر وعمر، في نفر. فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بين أظهرنا «2» فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع «3» دوننا وفزعنا «4» فقمنا، فكنت أوّل من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى أتيت حائطا «5» للأنصار لبني النّجّار، فدرت به هل أجد له بابا؟، فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والرّبيع الجدول) فاحتفزت «6» كما يحتفز الثّعلب، فدخلت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «أبو هريرة؟» ، فقلت: نعم يا رسول الله. قال:

«ما شأنك» ؟ قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أوّل من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثّعلب، وهؤلاء النّاس ورائي، فقال: «يا أبا هريرة (وأعطاني نعليه) قال: اذهب بنعليّ هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنّة» فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النّعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه، بشّرته بالجنّة.

فضرب عمر بيده بين ثدييّ فخررت لاستي «7» فقال: ارجع يا أبا هريرة؟» فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأجهشت بكاء «8» وركبني عمر «9» فإذا هو على إثري.

فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما لك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالّذي بعثتني به، فضربني بين ثدييّ ضربة خررت لاستي، قال: ارجع فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «يا عمر، ما حملك على ما فعلت» ؟ قال يا رسول الله بأبي أنت وأمّي «10» أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه، بشّره بالجنّة؟ قال:

«نعم» قال: فلا تفعل. فإنّي أخشى أن يتّكل النّاس عليها، فخلّهم يعملون. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «فخلّهم» ) * «11» .

6-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

كنّا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقام بلال ينادي فلمّا سكت.

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «من قال مثل هذا يقينا «12» دخل الجنّة» ) * «13» .

7-* (أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنّ أمّ العلاء- امرأة من الأنصار بايعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم- أخبرته أنّه اقتسم المهاجرون قرعة، فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا، فوجع وجعه الّذي توفّي فيه، فلمّا توفّي وغسّل وكفّن في أثوابه دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: رحمة الله عليك أبا السّائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «وما يدريك أنّ الله قد أكرمه؟» فقلت: بأبي أنت يا رسول الله، فمن يكرمه الله؟ فقال: «أمّا هو فقد جاءه اليقين، والله إنّي لأرجو له الخير، والله ما أدري- وأنا رسول الله- ما يفعل بي» . قالت: فو الله لا أزكّي أحدا بعده أبدا» ) «1» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الميّت يصير إلى القبر. فيجلس الرّجل الصّالح في قبره، غير فزع ولا مشعوف ثمّ يقال له: فيم كنت؟ فيقول: كنت في الإسلام. فيقال له: ما هذا الرّجل؟ فيقول: محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاءنا بالبيّنات من عند الله فصدّقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قبل النّار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضا. فيقال له:

انظر إلى ما وقاك الله. ثمّ يفرج له قبل الجنّة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: هذا مقعدك. ويقال له: على اليقين كنت. وعليه متّ. وعليه تبعث إن شاء الله.

ويجلس الرّجل السّوء في قبره فزعا مشعوفا «2» . فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: ما هذا الرّجل؟ فيقول: سمعت النّاس يقولون قولا فقلته.

فيفرج له قبل الجنّة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثمّ يفرج له فرجة قبل النّار. فينظر إليها. يحطم بعضها بعضا.

فيقال له: هذا مقعدك، على الشّكّ كنت، وعليه متّ. وعليه تبعث، إن شاء الله تعالى» ) * «3» .

9-* (عن شدّاد بن أوس- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «سيّد الاستغفار أن يقول: اللهمّ أنت ربّي لا إله إلّا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء «4» لك بذنبي، اغفر لي، فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت.

قال: ومن قالها من النّهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنّة، ومن قالها من اللّيل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنّة» ) «5» .

4-* (خطب أبو بكر- رضي الله عنه- قال:

قام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقامي هذا عام الأوّل، وبكى أبو بكر، فقال أبو بكر: سلوا الله المعافاة أو قال: العافية.

فلم يؤت أحد قطّ بعد اليقين أفضل من العافية أو المعافاة. عليكم بالصّدق، فإنّه مع البرّ وهما في الجنّة، وإيّاكم والكذب فإنّه مع الفجور وهما في النّار، ولا

الأحاديث الواردة في (اليقين) معنى

10-* (عن عبد الله بن حبيش الخثعميّ- رضي الله عنه- أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم سئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان لا شكّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجّة مبرورة» . قيل: فأيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» . قيل: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: «جهد المقلّ» . قيل: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال:

«من هجر ما حرّم الله عزّ وجلّ» . قيل: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه؟» قيل: فأيّ القتل أفضل؟ قال: «من أهريق دمه وعقر جواده» * «1» .

11-* (عن عبّاد بن تميم عن عمّه أنّه شكا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرّجل الّذي يخيّل إليه أنّه يجد الشّيء في الصّلاة «2» . فقال: «لا ينفتل- أو لا ينصرف- حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا» ) * «3» .

12-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

كان أخوان على عهد النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فكان أحدهما يأتي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والآخر يحترف «4» فشكا المحترف أخاه إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال: «لعلّك ترزق به» ) * «5» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (اليقين)

1-* (عن عبد الله بن عبّاس- رضي الله عنهما- في حديث أبي سفيان وهرقل الطّويل: «وبعد أن فرغ هرقل من محادثة أبي سفيان، قال أبو سفيان:

فلمّا قال ما قال يعني هرقل وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصّخب وارتفعت الأصوات، وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر «6» أمر ابن أبي «7» كبشة، إنّه يخافه ملك بني الأصفر «8» ، فما زلت موقنا أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام» ) * «9» .

2-* (قال ابن مسعود- رضي الله عنه-:

«اليقين الإيمان كلّه» ) * «10» .

3-* (عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

«لا غرار في صلاة، ولا تسليم» قال أحمد: يعني فيماأرى أنّ لا تسلّم ولا يسلّم عليك ويغرّر الرّجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاكّ» ) * «1» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- في قصصه يذكر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أخا لكم لا يقول الرّفث يعني بذلك ابن رواحة يقول:

فينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ) * «2» .

5-* (قال سفيان الثّوريّ رحمه الله: «لو أنّ اليقين استقرّ في القلب كما ينبغي لطار فرحا وحزنا وشوقا إلى الجنّة، أو خوفا من النّار» ) * «3» .

6-* (قال سهل: «اليقين من زيادة الإيمان، ولا ريب أنّ الإيمان كسبيّ باعتبار أسبابه، موهبيّ باعتبار نفسه وذاته» ) * «4» .

7- وقال ابن خفيف: «هو تحقّق الأسرار بأحكام المغيّبات» ) * «5» .

8-* (وقال أبو بكر بن طاهر: «العلم يعارضه الشّكوك، واليقين لا شكّ فيه، وعند القوم: اليقين لا يساكن قلبا فيه سكون إلى غير الله» ) * «6» .

9-* (قال ذو النّون: «اليقين يدعو إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزّهد، والزّهد يورث الحكمة، وهي تورث النّظر في العواقب» ) * «7» .

10-* (* (وقال بعضهم: «رأيت الجنّة والنّار حقيقة، قيل له: كيف؟ قال: رأيتها بعيني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورؤيتي لهما بعينيه أوثق عندي من رؤيتي لهما بعينيّ، فإنّ بصري قد يخطيء بخلاف بصره صلّى الله عليه وسلّم» ) * «8» .

11-* (وقال أبو بكر الورّاق: «اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عرف الله وبالعقل عقل عن الله» ) * «9» .

12-* (وقال ذو النّون: «ثلاثة من أعلام اليقين: قلّة مخالطة النّاس في العشرة، وترك المدح لهم في العطيّة، والتّنزّه عن ذمّهم عند المنع» ) * «10» .

13-* (وقال الجنيد- رحمه الله- تعالى:

«اليقين هو استقرار العلم الّذي لا يحول ولا ينقلب ولا يتغيّر في القلب» ) * «11» .

14-* (وقال ابن عطاء- رحمه الله-: «على قدر قربهم من التّقوى أدركوا من اليقين، وأصل التّقوى مباينة المنهيّ عنه، فعلى مفارقتهم النّفس وصلوا إلى اليقين» ) * «1» .

15-* (عن قتادة- رضي الله عنه- في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (الواقعة/ 95) قال:

إنّ الله- عزّ وجلّ- ليس تاركا أحدا من خلقه حتّى يقفه على اليقين من هذا القرآن، فأمّا المؤمن فأيقن في الدّنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأمّا الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه اليقين) * «2» .

16-* (عن مجاهد قال في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (الواقعة/ 95) الخبر اليقين) * «3» .

17-* (عن قتادة في قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (التكاثر/ 5) قال: كنّا نحدّث أنّ علم اليقين أن يعلم أنّ الله باعثه بعد الموت) * «4» .

18-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله-: «بالصّبر واليقين تنال الإمامة في الدّين» .

وقال- رحمه الله-: «الصّبر نصف الإيمان واليقين الإيمان كلّه» ) * «5» .

من فوائد (اليقين)

(1) اليقين يزيد المسلم من ربّه قربا وحبّا ورضى.

(2) اليقين هو لبّ الدّين ومقصوده الأعظم.

(3) يزيد العبد خضوعا واستكانة لمولاه.

(4) يورث التّوكّل على الله والزّهد فيما عند النّاس.

(5) يكسب صاحبه العزّة والرّفعة ويباعده عن مواطن الذّلّة والضّعة.

(6) باليقين يتّبع النّور فيسلك طريق السّلامة إلى دار السّلام.

(7) يضع صاحبه دائما في موضع الإخلاص والصّدق.

(8) ضابط قويّ يرقب العلاقة بين المسلم وربّه ويجعلها تلتزم خطّ السّلامة والأمان حتّى يصل إلى دار الرّضوان.

(9) المسلم لا يدرك مناه في الآخرة إلّا إذا كان متّصفا بصفة اليقين.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٤١٣ مرة.