أدوات شخصية
User menu

حق الجار

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الحق لغة

مصدر قولهم حق الشيء: وجب وهو مأخوذ من مادة (ح ق ق) التي تدل على إحكام شيء وصحته، فالحق نقيض الباطل، ويقال: حاق فلان فلانا: إذا ادعى كل واحد منهما، فإذا غلبه على الحق قيل حقه وأحقه، واحتق الناس في الدين: إذا ادعى كل واحد الحق.

وقال بعض أهل العلم في قوله تعالى حقيق على «1» قال واجب علي، ومن قرأها حقيق على فمعناها: حريص على، ويقال استحق لقحها: إذا وجب، وقال الجوهري: الحق خلاف الباطل والحق:

واحد الحقوق، وقولهم: لحق لا آتيك، هو يمين للعرب يرفعونها بغير تنوين إذا جاءت بعد اللام، وإذا أزالوا عنها اللام قالوا: حقا لا آتيك، والحاقة:

القيامة، سميت بذلك لأن فيها حواق الأمور، وقولهم: أحققت الشيء: أي أو جبته، واستحققته: أي استوجبته. وتحقق عندي الخبر: صح. وحققت قوله وظنه تحقيقا: أي صدقت. وكلام محقق أي رصين، وثوب محقق إذا كان محكم النسج «2» .

الجار لغة

قال الراغب: الجار من يقرب مسكنه منك، الآيات الأحاديث الآثار 1 26 19 وهو من الأسماء المتضايفة؛ فإن الجار لا يكون جارا لغيره إلا وذلك الغير جار له كالأخ والصديق، ولما استعظم حق الجار عقلا وشرعا عبر عن كل من يعظم حقه أو يستعظم حق غيره بالجار، قال تعالى: والجار ذي القربى (النساء/ 36) وقد تصور من الجار معنى القرب فقيل لمن يقرب من غيره جاره وجاوره، وتجاور (معه) قال تعالى: ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا (الأحزاب/ 60) وباعتبار القرب قيل: جار عن الطريق (أي لم يلتزمه وإنما انحرف قريبا منه) ثم جعل ذلك أصلا في العدول عن كل حق فبني منه الجور، قال تعالى: ومنها جائر (النحل/ 9) أي عادل عن المحجة. وجمع الجار (جيران) ، و (جاوره مجاورة، وجوارا) من باب قاتل: والاسم (الجوار) بالضم: إذا لاصقه في السكن، وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي: الجار الذي يجاورك بيت بيت، و (الجار) :

الشريك في العقار: مقاسما كان، أو غير مقاسم، و (الجار) : الخفير، و (الجار) : الذي يجير غيره، أي يؤمنه مما يخاف، و (الجار) : المستجير أيضا، وهو الذي يطلب الأمان، و (الجار) : الحليف، و (الجار) :

الناصر، و (الجار) : الزوج، و (الجار) أيضا: الزوجة،ويقال فيها أيضا (جارة) ، و (الجارة) :

الضرة، قيل لها جارة: استكراها للفظ الضرة، و (كان ابن عباس ينام بين جارتيه) ، أي زوجتيه «1» .

حق الجار اصطلاحا

امتثال الوصية بالجار بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة. كالهدية، والسلام وطلاقة الوجه عند لقائه، وتفقد حاله، ومعاونته فيما احتاج إليه، إلى غير ذلك. وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية «2» .

قال ابن حجر- رحمه الله-: واسم الجار يشمل المسلم والكافر، والعابد والفاسق، والصديق والعدو، والغريب والبلدي، والنافع والضار، والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد، وله مراتب بعضها أعلى من بعض، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك، فيعطى كل حقه بحسب حاله «3» .

أما حق الجار تفصيلا فقد أشار إليه الحديث الثالث عشر والأثران الحادي عشر والثاني عشر، فلتنظر هناك.

حد الجوار

وقال: واختلف في حد الجوار: فجاء عن علي رضي الله عنه- «من سمع النداء فهو جار» ، وقيل «من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار» ، وعن عائشة- رضي الله عنها- «حد الجوار أربعون دارا من كل جانب» ، وعن الأوزاعي مثله، وأخرج البخاري في (الأدب المفرد) مثله عن الحسن «4» .

وقال القرطبي: الجار يطلق ويراد به الداخل في الجوار، ويطلق ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب «5» .

وقال ابن حجر أيضا: والجار القريب: من بينهما قرابة والجار الجنب بخلافه وهذا قول الأكثر، وأخرجه الطبري بسند حسن عن ابن عباس، وقيل الجار القريب: المسلم والجار الجنب غيره وأخرجه أيضا الطبري عن نوف البكالي أحد التابعين «6» .

[للاستزادة: انظر صفات: الأدب- تكريم الإنسان- حسن الخلق- إفشاء السلام- التودد- حسن المعاملة- حسن العشرة- طلاقة الوجه- الشهامة.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأذى- الإساءة- سوء المعاملة- اتباع الهوى- الإعراض- سوء الخلق- السفاهة] .

الآيات الواردة في «حق الجار»

1-* واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) «1»

الأحاديث الواردة في (حق الجار)

1-* (عن عمرو بن الحمق- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيرا عسله «1» » . قيل: وما عسله؟ قال: «يحببه إلى جيرانه» ) * «2» .

2-* (عن أبي ذر- رضي الله عنه- قال:

إن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: «إذا طبخت مرقا فأكثر ماءه.

ثم انظر أهل بيت من جيرانك، فأصبهم منها بمعروف» ) * «3» .

3-* (عن أبي جحيفة- رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره قال:

اطرح متاعك على طريق فطرحه، فجعل الناس يمرون عليه ويلعنونه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لقيت من الناس. قال: «وما لقيت؟» قال: يلعنونني. قال: «قد لعنك الله قبل الناس» ، فقال: إني لا أعود، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ارفع متاعك، فقد كفيت» ) * «4» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يشكو جاره، فقال: «اذهب فاصبر» ، فأتاه مرتين أو ثلاثا فقال:

«اذهب فاطرح متاعك في الطريق» ، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه:

فعل الله به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جاره فقال له:

ارجع لا ترى مني شيئا تكره) * «5» .

5-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله: خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله: خيرهم لجاره» ) * «6» .

6-* (عن مطرف يعني ابن عبد الله، قال:

كان يبلغني عن أبي ذر حديث «7» وكنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر كان يبلغني عنك حديثك وكنت أشتهي لقاءك.

قال: لله تبارك وتعالى أبوك قد لقيتني فهات. قلت: حديثا بلغني أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم حدثك قال: إن الله- عز وجل- يحب ثلاثة.

ويبغض ثلاثة. قال: فما إخالني أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل-؟ قال: رجل غزا في سبيل الله صابرا محتسبا فقاتل حتى قتل وأنتم تجدونه عندكم في كتاب الله- عز وجل- ثم تلا إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص (الصف/ 4) قلت: ومن؟ قال: رجل كان له جار سوء يؤذيه فصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت. قلت:

فذكر الحديث، وقد رواه النسائي وغيره غير ذكر الجار) * «1» .

7-* (عن المقداد بن الأسود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟» .

قالوا: حرام حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره.

قال: ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام. قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره» ) * «2» .

8-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره» .

ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها «3» معرضين؟ والله لأرمين «4» بها بين أكنافكم «5» ) * «6» .

9-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة؛ فإن جار البادية يتحول» ) * «7» .

10-* (عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أنه قال وهو ينحل ابن الزبير «8» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع» ) * «9» .

11-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» ) * «10» .

12-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ) * «1» .

13-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله، فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه. أتدري ما حق الجار؟:

إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار ريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده» ) * «2» .

14-* (عن نافع بن عبد الحارث- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سعادة المرء الجار الصالح والمركب الهني والمسكن الواسع» ) * «3» .

15-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ) * «4» .

16-* (عن أبي شريح الخزاعي- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت» ) * «5» .

17-* (عن أبي شريح العدوي- رضي الله عنه- قال: سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته» .

قيل وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت» ) * «6» .

18-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه: «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلم من يعملبهن؟» .

قال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمسا، فقال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» ) * «1» .

19-* (عن أنس- رضي الله عنه- قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه» ) * «2» .


20-* (عن عمرو بن الشريد قال: وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي، إذ جاء أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا سعد ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما. فقال المسور: والله لتبتا عنهما.

فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة «3» . قال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الجار أحق بسقبه «4» » ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار، فأعطاها إياه) * «5»

21-* (عن أبي شريح- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن» . قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه» ) * «6» .

22-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها.

قال: «هي في النار» . قال: يا رسول الله، فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها، وأنها تتصدق بالأثوار «7» من الأقط «8» ، ولا تؤذي جيرانها. قال:

«هي في الجنة» ) * «9» .

وهذا لفظ بعضهم: قالوا: يا رسول الله فلانة تصوم النهار، وتقوم الليل، وتؤذي جيرانها. قال:

«هي في النار» قالوا: يا رسول الله، فلانة تصلي المكتوبات، وتصدق «1» بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها. قال: «هي في الجنة» ) * «2» .

23-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» ) * «3» .

24-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة «4» » ) * «5» .

25-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنه ذبح شاة فقال: أهديتم لجاري اليهودي فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلى الله عليه وسلم في (حق الجار) *

26-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه كان يقول: الله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع. وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع.

ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آية من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل، ثم مر أبو القاسم صلى الله عليه وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي.

ثم قال: «يا أبا هر» قلت: لبيك رسول الله، قال:

«الحق» ، ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن له، فدخل فوجد لبنا في قدح، فقال: «من أين هذا اللبن؟» قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة قال: «أبا هر» قلت:

لبيك يا رسول الله، قال: «الحق إلى أهل الصفة «7» فادعهم لي» . قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها،فإذا جاءوا أمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بد، فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا، فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت

قال: «يا أبا هر» ، قلت لبيك يا رسول الله، قال: خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم. فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إلي فتبسم فقال: «أبا هر» ، قلت: لبيك يا رسول الله. قال:

«بقيت أنا وأنت» . قلت: صدقت يا رسول الله، قال:

«اقعد فاشرب» . فقعدت فشربت. فقال: «اشرب» .

فشربت، فما زال يقول: «اشرب» حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (حق الجار)

1-* (رأى أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- ولده عبد الرحمن وهو يناصي جارا له، فقال: «لا تناص جارك فإن هذا يبقى والناس يذهبون» ) * «2» .

2-* (عن يحيى المازني أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا له من العريض «3» ، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فمنعه، فقال له: لم تمنعني، ولك فيه منفعة، تشرب فيه أولا وآخرا، ولا يضرك؟ فأبى (محمد) فكلم الضحاك فيه عمر بن الخطاب.

فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك؟ فقال: لا والله، فقال له عمر:

والله ليمرن به ولو على بطنك، ففعل الضحاك) * «4» .

3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

«خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله تعالى لمن أحب: صدق الحديث، وصدق الناس، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهن الحياء» ) * «5» .


4-* (يروى أن رجلا جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه- فقال له: إن لي جارا يؤذيني ويشتمني ويضيق علي، فقال: اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه» ) * «6» .

5-* (عن ابن أخي عبد الله بن سلام لما أريد عثمان جاء عبد الله بن سلام، فقال له عثمان: «ما جاء بك؟» .

قال: «جئت في نصرك» ، قال: «اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجا خير لي منك داخلا» ، فخرج عبد الله إلى الناس فقال: «أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلان فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ونزل في آيات من كتاب الله نزلت في وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه نبيكم، فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فو الله إن قتلتموه، لتطردن جيرانكم الملائكة ولتسلن سيف الله المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة» ، قال:

«فقالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان» ) * «1» .

6-* (عن الحسن البصري- رحمه الله- أنه «كان لا يرى بأسا أن تطعم جارك اليهودي والنصراني من أضحيتك» ) * «2» .

7-* (قال الحسن بن عيسى النيسابوري:

«سألت عبد الله بن المبارك فقلت: الرجل المجاور يأتيني فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمرا والغلام ينكره فأكره أن أضربه ولعله بريء، وأكره أن أدعه فيجد «3» علي جاري فكيف أصنع؟ قال: إن غلامك لعله أن يحدث حدثا يستوجب فيه الأدب فاحفظه عليه، فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث، وهذا تلطف في الجمع بين الحقين» ) * «4» .

8-* (قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة:

«حفظ الجار من كمال الإيمان» ) * «5» .

9-* (وقال: إذا أكد حق الجار مع الحائل بين الشخص وبينه، وأمر بحفظه، وإيصال الخير إليه وكف أسباب الضرر عنه، فينبغي له أن يراعي حق الحافظين اللذين ليس بينه وبينهما جدار ولا حائل، فلا يؤذيهما بإيقاع المخالفات في مرور الساعات، فقد جاء أنهما يسران بوقوع الحسنات ويحزنان بوقوع السيئات، فينبغي مراعاة جنبهما وحفظ خواطرهما بالتكثير من عمل الطاعات والمواظبة على اجتناب المعصية، فهما أولى برعاية الحق من كثير من الجيران) *. انتهى. ملخصا «6» .

10-* (قال الغزالي- رحمه الله-: «يمن المسكن سعته وحسن جوار أهله، وشؤمه ضيقه وسوء جوار أهله» ) * «7» .

11-* (وقال- رحمه الله-: «وجملة حق الجار: أن يبدأه بالسلام، ولا يطيل معه الكلام، ولا يكثر عن حاله السؤال، ويعوده في المرض ويعزيه في المصيبة، ويقوم معه في العزاء، ويهنئه في الفرح، ويظهر الشركة في السرور معه، ويصفح عن زلاته،ولا يتطلع من السطح إلى عوراته، ولا يضايقه في وضع الجذع على جداره، ولا في مصب الماء في ميزابه، ولا في مطرح التراب في فنائه، ولا يضيق طرقه إلى الدار، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف له من عوراته، وينعشه من صرعته إذا نابته نائبة، ولا يغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، ولا يسمع عليه كلاما، ويغض بصره عن حرمته، ولا يديم النظر إلى خادمته، ويتلطف بولده في كلمته، ويرشده إلى ما يجهله من أمر دينه ودنياه» ) * «1» .

12-* (وقال: «اعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط بل احتمال الأذى، ولا يكفي احتمال الأذى بل لا بد من الرفق وإسداء الخير والمعروف، إذ يقال: إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول:

يا رب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني؟» ) * «2» .

13-* (قال القرطبي: «فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها (أي مرغب فيها) مسلما كان أو كافرا وهو الصحيح» ) * «3» .

14-* (قال ابن حجر: «ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح: والذي يشمل الجميع إرادة الخير له، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار «4» له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه ويبين محاسنه، والترغيب فيه برفق، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضا ويستر عليه زلله عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد فيه وإلا فيهجره قاصدا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف» ) * «5» . 15-* (أنشد أبو جعفر العدوي:

شرا «6» جارتي سترا فضول لأنني ... جعلت جفوني ما حييت لها سترا وما جارتي إلا كأمي وإنني ... لأحفظها سرا وأحفظها جهرا بعثت إليها: انعمي وتنعمي ... فلست محلا منك وجها ولا شعرا) * «7» .

16-* (وقال حاتم الطائي:

ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر ما ضر جارا لي أجاوره ... أن لا يكون لبابه ستر أغضي إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر) * «8» .

17-* (أنشد أحمد بن علي الحراني:والجار لا تذكر كريمة بيته ... واغضب لابن الجار إن هو أغضبا احفظ أمانته وكن عزا له ... أبدا وعما ساءه متجنبا كن لينا للجار واحفظ حقه ... كرما ولا تك للمجاور عقربا) * «1» .

18-* (يروى أن جارا لابن المقفع أراد بيع داره في دين ركبه وكان يجلس في ظل داره، فقال: «ما قمت إذا بحرمة ظل داره إن باعها معدما» . فدفع إليه ثمن الدار وقال: «لا تبعها» ) * «2» .

19-* (قال العلماء: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق.

فالجار الذي له ثلاثة حقوق هو الجار المسلم ذو الرحم، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق الرحم، وأما الذي له حقان فالجار المسلم. له حق الجوار وحق الإسلام.

وأما الذي له حق واحد فالجار المشرك، وجاء بذلك حديث لكنه ضعيف، وهذا التقسيم موافق لما جاءت به الآيات والأحاديث بالنسبة لحق المسلم وحق القريب وحق الجار، كما أنه موافق للتقسيم العقلي الاستقرائي وعلى هذا فللجار الكافر مهما كان كفره حق الجوار في الإحسان إليه وترك إيذائه» ) * «3» .

من فوائد (حق الجار)

(1) حفظ حق الجار من كمال الإيمان وحسن الإسلام.

(2) تعظيم حق الجار.

(3) حسن العلاقة بين الجيران ترضي الله- عز وجل وتسخط الشيطان وسوءها يسخط الله- عز وجل- ويرضي الشيطان.

(4) اسم الجار يشمل عموم أنواع المجتمع فإذا حسنت العلاقة بين الجيران وسادهم الحب والوئام سعد المجتمع كله.

(5) إن جار الخير يعود خيره عليه وعلى جيرانه وجار السوء يعود سوءه عليه وحده.

(6) المكافأة على الإحسان بأحسن منه.

(7) حسن الجوار ليس بكف أذاك عن جيرانك بل بتحمل أذاهم وقضاء حوائجهم وكشف كربهم.

(8) الملكان المجاوران لك أشد الجيران قربا فاحفظ حقهما فلا يريا منك إلا خيرا.

(9) حسن الجوار باب من أبواب الجنة وسوءه باب من أبواب النار.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٥ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٠:٠٥.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٨٦٨ مرة.