أدوات شخصية
User menu

خفض الصوت

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الخفض لغة

يطلق الخفض على معان متعدّدة، معظمها متقارب، فالخفض ضدّ الرّفع، تقول: خفضه يخفضه خفضا، فانخفض واختفض، ومن ذلك قوله تعالى خافِضَةٌ رافِعَةٌ (الواقعة/ 3) أي ترفع قوما إلى الجنّة، وتخفض قوما إلى النّار، أو تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطّاعة، أو تخفض قوما فتحطّهم عن مراتب آخرين ترفعهم إليها «1» .

والخفض الدّعة، يقال: عيش خافض، وهم في خفض من العيش «2» ، وعيش خفض، أي في دعة وخصب «3» ومن ذلك ما أنشده الصّاغانيّ:


لا يمنعنّك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران والخفض: السّير اللّيّن، ضدّ الرّفع، يقال: بيني وبينك ليلة خافضة أي هيّنة السّير «4» والخفض: غضّ الصّوت، يقال خفّض عليك القول «5» وقد جعل الزّبيديّ هذا المعنى من المجاز فقال: ومن المجاز، الخفض:


غضّ الصّوت ولينه وسهولته، وصوت خفيض ضدّ رفيع «6» ويطلق الخفض أيضا على لين الجانب والتّواضع كقوله تعالى وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (الإسراء/ 24) أي تواضع لهما، ولا تتعزّز عليهما، ومنه خفّض الأمر أي هوّنه وخفّض رأس البعير أي مدّه إلى الأرض لتركبه، وخفض العدل: ظهور الجور عليه إذا فسد النّاس «7» ، والخفض: العيش الطّيّب وعيش خفض وخافض ومخفوض وخفيض خصيب في دعة «8» .

الصوت لغة

تدور هذه المادّة حول الشّيء المسموع، يقول ابن فارس: (الصّاد والواو والتّاء) أصل صحيح وهو الصّوت، وهو جنس لكلّ ما وقر في أذن السّامع،يقال: هذا صوت زيد، ورجل صيّت، إذا كان شديد الصّوت، وصائت إذا صاح «1» .

ويقول ابن منظور: الصّوت: الجرس، معروف مذكّر ... وقد صات يصوت ويصات صوتا وأصات، وصوّت به كلّه نادى.

ويقال: صوّت يصوّت تصويتا، فهو مصوّت، وذلك إذا صوّت بإنسان فدعاه ... وفي الحديث: (كان العبّاس رجلا صيّتا) : أي شديد الصّوت عاليه، يقال: هو صيّت وصائت «2» .

خفض الصوت اصطلاحا

ألّا يرفع الإنسان صوته عن القدر المعتاد خاصّة في حضور من هو أعلى منه مكانة «3» .

[للاستزادة: انظر صفات: الأدب- حسن الخلق- حسن المعاملة- الضراعة والتضرع- الصمت وحفظ اللسان- حسن العشرة- الرفق- الشفقة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: البذاءة- الجفاء- سوء المعاملة- سوء الخلق- السفاهة] .

الآيات الواردة في «خفض الصوت»

1- يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (108) «1»

2- وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) «2»


3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) «3»


الآيات الواردة في «خفض الصوت» معنى

4- يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً (103) «4»


5- فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) «5»

الأحاديث الواردة في (خفض الصوت)

1-* (عن زرّ بن حبيش قال: أتيت صفوان ابن عسّال المراديّ فقال: ما جاء بك؟ فقلت: ابتغاء العلم قال: فإنّ الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب.

قلت: حكّ في نفسي مسح على الخفّين أو في صدري- بعد الغائط والبول، وكنت امراء من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأتيتك أسألك هل سمعت منه في ذلك شيئا؟ قال: نعم كان يأمرنا إذا كنّا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيّام ولياليهنّ إلّا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم.

قال: قلت له: هل سمعته يذكر الهوى؟ قال: نعم، بينما نحن معه في مسيره إذ ناداه أعرابيّ بصوت جهوريّ فقال: يا محمّد، فقلنا: ويحك اغضض من صوتك فإنّك قد نهيت عن ذلك.

فقال: والله لا أغضض من صوتي فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هاء» «1» ، وأجابه على نحو من مسألته- أو نحوا ممّا تكلّم به- فقال: أرأيت رجلا أحبّ قوما ولمّا يلحق بهم؟ قال:

«هو مع من أحبّ» قال: ثمّ لم يزل يحدّثنا حتّى قال: «إنّ من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه سبعون أو أربعون عاما فتحه الله- عزّ وجلّ- للتّوبة يوم خلق السّماوات والأرض ولا يغلقه حتّى تطلع الشّمس منه» ) * «2» .

الأحاديث الواردة في (خفض الصوت) معنى

2-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما- قال: إنّ هذه الآية الّتي في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (الأحزاب/ 45) .

قال في التّوراة: «يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا «3» للأمّيّين «4» ، أنت عبدي ورسولي سمّيتك المتوكّل «5» ، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب «6» بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، فيفتح به أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا» ) * «7» .


3-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّه قال: إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد حبط عمله وهو من أهل النّار، فأتى الرّجل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره أنّه قال: كذا وكذا، فرجع إليه المرّة الآخرةببشارة عظيمة، فقال: «اذهب إليه فقل له إنّك لست من أهل النّار ولكنّك من أهل الجنّة» ) * «1» .


4-* (قال ابن أبي مليكة- رحمه الله تعالى-:

كاد الخيّران أن يهلكا- أبو بكر وعمر- لمّا قدم على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس التّميميّ الحنظليّ أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر:

إنّما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فنزلت:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله عَظِيمٌ (الحجرات: 2- 3) ، قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزّبير: فكان عمر بعد- ولم يذكر عن أبيه يعني أبا بكر- إذا حدّث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحديث حدّثه كأخي السّرار لم يسمعه حتّى يستفهمه) * «2» .

5-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّه قال: اعتكف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف السّتر وقال: «ألا إنّ كلّكم مناج ربّه، فلا يؤذينّ بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصّلاة» ) * «3» .


6-* (عن أبي موسى الأشعريّ- رضي الله عنه- قال: كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في سفر، فكنّا إذا علونا كبّرنا، فقال: «اربعوا «4» على أنفسكم، فإنّكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا، تدعون سميعا بصيرا قريبا» ، ثمّ أتى عليّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوّة إلّا بالله، فقال لي: «يا عبد الله بن قيس، قل لا حول ولا قوّة إلّا بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة» أو قال: «ألا أدلّك به» ) * «5» .

7-* (قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-:

لمّا نزل قوله تعالى لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ تألّى أبو بكر أن لا يكلّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلّا كأخي السّرار، فأنزل الله في أبي بكر إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ» ) * «6» .


8-* (عن ابن عسّال- أنّ رجلا من أهل البادية أتى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فجعل يناديه بصوت له جهوريّ: يا محمّد، يا محمّد، فقلنا: «ويحك اخفض من صوتك، فإنّك قد نهيت عن هذا، قال: لا والله حتّى أسمعه، فقال النّبيّ «هاؤم» ، قال: أرأيت رجلا يحبّ قوما ولمّا يلحق بهم، قال: «المرء مع من أحبّ» ) * «7» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (خفض الصوت)

9-* (عن المقداد- رضي الله عنه- أنّه قال:

أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «1» فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فليس أحد منهم يقبلنا «2» .

فأتينا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فانطلق بنا إلى أهله.

فإذا ثلاثة أعنز. فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «احتلبوا هذا اللّبن بيننا» قال: فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه. ونرفع للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نصيبه.

قال: فيجيء من اللّيل فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما.

ويسمع اليقظان. قال: ثمّ يأتي المسجد فيصلّي. ثمّ يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي. فقلت: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة «3» .

فأتيتها فشربتها. فلمّا أن وغلت في بطني «4» وعلمت أنّه ليس إليها سبيل. قال: ندّمني الشّيطان.

فقال:

ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمّد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك. وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النّوم.

وأمّا صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فسلّم كما كان يسلّم.


ثمّ أتى المسجد فصلّى. ثمّ أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السّماء فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك.. فقال: «اللهمّ أطعم من أطعمني.

وأسق من أسقاني» قال: فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ.

وأخذت الشّفرة فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإذا هي حافلة «5» .

وإذا هنّ حفّل كلّهنّ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد صلّى الله عليه وسلّم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتّى علته رغوة.

فجئت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقال: «أشربتم شرابكم اللّيلة؟» قال: قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب

ثمّ ناولني. فقلت يا رسول الله اشرب. فشرب ثمّ ناولني، فلمّا عرفت أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض.

قال: فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إحدى سوآتك يا مقداد» فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «ما هذه إلّا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني، فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» قال: فقلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك. من أصابها من النّاس) * «6» .


10-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

ألا أحدّثكم عنّي وعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلنا: بلى، قالت: لمّا كانت ليلتي الّتي كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلّا ريثما ظنّ أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب فخرج، ثمّ أجافه «1» رويدا فجعلت درعي في رأسي، واختمرت «2» وتقنّعت إزاري، ثمّ انطلقت على إثره، حتّى جاء البقيع، فقام، فأطال القيام، ثمّ رفع يديه ثلاث مرّات، ثمّ انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت «3» ، فسبقته فدخلت، فليس إلّا أن اضطجعت فدخل، فقال: «مالك؟ يا عائش! حشيا رابية! «4» » قالت: قلت لا شيء. قال:


«لتخبربني أو ليخبرنّي اللّطيف الخبير» ، قالت: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمّي، فأخبرته. قال:

«فأنت السّواد الّذي رأيت أمامي؟» قلت: نعم، فلهدني «5» في صدري لهدة أوجعتني.

ثمّ قال: «أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟» قالت: مهما يكتم النّاس يعلمه الله. نعم، ثمّ قال: «فإنّ جبريل أتاني حين رأيت، فناداني، فأخفاه منك فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أن قد رقدت، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم» قالت: قلت: كيف أقول لهم؟ يا رسول الله!.


قال: «قولي: السّلام على أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منّا والمستأخرين، وإنّا إن شاء الله بكم للاحقون» * «6» .


من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (خفض الصوت)

1-* (قال ابن مسعود- رضي الله عنه-:

ينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا حكيما حليما سكينا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا ولا غافلا ولا صخّابا ولا صيّاحا ولا حديدا «7» ) * «8» .

2-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

قوله- عزّ وجلّ-: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها (الإسراء/ 110) قالت: «أنزل ذلك في الدّعاء» ) * «9» .

3-* (عن السّائب بن يزيد- رضي الله عنه- قال: كنت قائما في المسجد فحصبني «1» رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطّاب فقال: «اذهب فأتني بهذين» ، فجئته بهما، قال: «من أنتما- أو من أين أنتما؟» .

قالا: من أهل الطّائف. قال: «لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم» ) * «2» .

4-* (قال بعض الصّحابة في معنى قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (الإسراء/ 110) : «أي لا ترفع صوتك في دعائك فتذكر ذنوبك فتعيّر بها» ) * «3» .

5-* (قال ابن زيد- رحمه الله-: «لو كان رفع الصّوت خيرا ما جعله الله للحمير» ) * «4» .

6-* (قال ابن قتيبة- رحمه الله تعالى-:

«عرّف لقمان ابنه قبح رفع الصّوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير» ) * «5» .

7-* (قال المبرّد- رحمه الله تعالى-: «إنّ الجهر بالصّوت ليس بمحمود وإنّه داخل في باب الصّوت المنكر» ) * «6» .

8-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ (لقمان/ 19) : «أي لا تبالغ في الكلام ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه» ، ولهذا قال: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ، وقال مجاهد إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ: «أي غاية من رفع صوته أنّه يشبّه بالحمير في علوّه ورفعه، ومع هذا فهو بغيض إلى الله، والتّشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمّه غاية الذّمّ» ) * «7» .

9-* (عن مجاهد في قوله وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ (الحجرات/ 2) الآية، قال: «لا تنادوه نداء، ولكن قولوا قولا ليّنا يا رسول الله» ) * «8» .

10-* (قال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (الإسراء/ 110) قال:

«أهل الكتاب يخافتون، ثمّ يجهر أحدهم بالحرف، فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثمّ كان السّبيل الّذي بين ذلك الّذي سنّ له جبريل من الصّلاة» ) * «9» .

11-* (عن محمّد بن سيرين قال: «نبّئت أنّ أبا بكر كان إذا صلّى فقرأ خفض صوته، وأنّ عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربّي- عزّ وجلّ- وقد علم حاجتي، فقيل أحسنت، وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشّيطان وأوقظ الوسنان. قيل: أحسنت.

فلمّا نزلتوَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ... قيل لأبي بكر: ارفع شيئا، وقيل لعمر: اخفض شيئا) * «1» .

12-* (قال ابن جرير في قوله تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً (الأعراف/ 55) : تضرّعا تذلّلا واستكانة لطاعته. وخفية يقول: بخشوع قلوبكم، وصحّة اليقين بوحدانيّة وربوبيّته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة) * «2» .


13-* (عن الحسن قال: إن كان الرّجل لقد جمع القرآن وما يشعر به النّاس، وإن كان الرّجل لقد فقه الكثير وما يشعر به النّاس، وإن كان الرّجل ليصلّي الصّلاة الطّويلة في بيته وعنده الزّور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السّرّ فيكون علانية أبدا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدّعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلّا همسا بينهم وبين ربّهم وذلك أنّ الله تعالى يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً وذلك أنّ الله ذكر عبدا صالحا رضي فعله فقال: إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (مريم/ 3)) * «3» .

14-* (قال ابن جريج: «يكره رفع الصّوت والنّداء والصّياح في الدّعاء، ويؤمر بالتّضرّع والاستكانة» ) * «4» .

15-* (قال قتادة في قوله تعالى إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (مريم/ 3) : «إنّ الله يعلم القلب التّقيّ ويسمع الصّوت الخفيّ) * «5» .

من فوائد (خفض الصوت)

(1) دليل حسن الأدب واللّطف في الطّلب.

(2) التّشبّه بأشرف المرسلين وسيّد الخلق أجمعين.

(3) دليل توقير المسلم للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

(4) باب من أبواب قبول الدّعاء.

(5) علامة إخلاص الدّين لله.

(6) فيه محافظة على شعور المسلمين بعدم إيذائهم برفع الصّوت لا سيّما إن كانوا من الضّيفان.

(7) خفض الصّوت في المسجد دليل السّكينة، وهو للمؤمن زينة، وفيه توقير للبيت وربّه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:٠٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ٧٬٤٣٥ مرة.