أدوات شخصية
User menu

علو الهمة

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


العلو لغة

مصدر قولهم علا يعلو علوّا وهو مأخوذ من مادّة (ع ل و) الّتي تدلّ على السموّ والارتفاع، يقال: تعالى النّهار أي ارتفع، والعلاء الرّفعة، وأمّا العلوّ فالعظمة والتّجبّر، يقولون: علا الملك في الأرض علوّا كبيرا، قال تعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ القصص/ 4) ، ورجل عالي الكعب أي شريف، ويقال لكلّ شيء يعلو، فإن كان في الرّفعة والشّرف، قيل علي يعلى، ومن قهر أمرا فقد اعتلاه واستعالى عليه وبه، ويقال من علية النّاس أي من أهل الشّرف، وقول الله تعالى إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (المطففين/ 18) قالوا إنّما هو ارتفاع بعد ارتفاع إلى مالا حدّ له.


وقال الجوهريّ: علا في المكان يعلو علوّا، وعلي في الشّرف يعلى علاء ويقال أيضا علا (بالفتح) يعلى، قال رؤبة (جامعا بين اللّغتين) :

لمّا علا كعبك بي عليت ويقال: فلان من علية النّاس، وهو جمع رجل عليّ أي شريف رفيع مثل صبيّ وصبية، ويقال: علوت الرّجل: غلبته، وعلوته بالسّيف: ضربته، واستعالى الرّجل أي علا، واستعلاه: علاه، واعتلاه مثله، وتعلّى أي علا في مهلة، وأعلاه الله: رفعه، والتّعالي:

الارتفاع، وعلا بالأمر: اضطلع به، وعلو كلّ شيء، وعلوه، وعلوه، وعلاوته، وعاليه وعاليته: أرفعه، وعلا الشّيء علوّا فهو عليّ، وعلي وتعلّى وفي حديث ابن عبّاس، فإذا هو يتعلّى عليّ، أي يترفّع، والعلوّ في قوله تعالى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً (القصص/ 83) التّكبّر وقيل الفساد والمعاصي «1» .

العلي من أسماء الله تعالى

قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى: العليّ والمتعالي: فالعليّ الّذي ليس فوقه شيء في المرتبة والحكم، فعيل بمعنى فاعل من علا يعلو، والمتعالي:

الّذي جلّ عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقيل: جلّعن كلّ وصف وثناء، وهو فاعل من العلوّ، وقد يكون بمعنى العالي «1» .

الهمة لغة

الهمّة في اللّغة: مثل الهمّ وكلاهما اسم لما هممت به، قال ابن فارس: والهمّ ما هممت به وكذلك الهمّة، ثمّ تشتقّ من الهمّة الهمام: الملك العظيم الهمّة، ويقال الهمّة أيضا بالفتح وفلان بعيد الهمّة، ويقال لا مهمّة لي (بفتح الهاء) ، ولا همام أي لا أهمّ بذلك ولا أفعله، ويقال: ذهبت أتهمّمه أي أطلبه. وقال ابن منظور: الهمّة: واحدة الهمم.

وهمّ بالشّيء يهمّ همّا: نواه وأراده، وعزم عليه.

والهمّة والهمّة: ما همّ به من أمر ليفعله. وتقول: إنّه لعظيم الهمّ، وإنّه لصغير الهمّة، وإنّه لبعيد الهمّة.

والهمّة بالفتح.

والهمام: الملك العظيم الهمّة. والهمام، اسم من أسماء الملك لعظم همّته. وقيل: لأنّه إذا همّ بأمر أمضاه، ولا يردّ عنه بل ينفذ كما أراد، وقيل: الهمام السّيّد الشّجاع السّخيّ» .

علو الهمة اصطلاحا

قال المناويّ: عظم (علوّ) الهمّة: عدم المبالاة بسعادة الدّنيا وشقاوتها «3» .

وقال الرّاغب: الكبير الهمّة على الإطلاق هو من لا يرضى بالهمم الحيوانيّة قدر وسعه فلا يصير عبد بطنه وفرجه بل يجتهد أن يتخصّص بمكارم الشّريعة..

والصّغير الهمّة من كان على العكس من ذلك وقال- رحمه الله-: والكبير الهمّة على الإطلاق من يتحرّى الفضائل لا لجاه ولا لثروة ولا للذّة،. ولا لاستشعار نخوة واستعلاء على البريّة، بل يتحرّى مصالح العباد شاكرا بذلك نعمة الله ومتوخّيا به مرضاته غير مكترث بقلّة مصاحبيه فإنّه إذا عظم المطلوب قلّ المساعد، وطرق العلاء قليلة الإيناس «4» .

وقال الخضر حسين:

علوّ الهمّة: هو استصغار ما دون النّهاية من معالي الأمور «5» .

[انظر: صفة الشجاعة] .

العلم وعلو الهمة

إنّ معالي الأمور وعرة المسالك، محفوفة بالمكاره، والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطّالب دون أن يقاسي شدائد ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشّدائد إلّا كبير الهمّة ماضي العزيمة.

وكان سعيد بن المسيّب يسير اللّيالي لطلب الحديث الواحد، ورحلأبو أيّوب الأنصاريّ من المدينة إلى عقبة بن عامر، وهو في مصر ليروي عنه حديثا، فقدم مصر ونزل عن راحلته ولم يحلّ راحلته، فسمع منه الحديث وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعا، ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلّا برجال رحلوا إلى الشّرق ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبا، مثل أسد بن الفرات، وأبي الوليد الباجيّ، وأبي بكر بن العربيّ.


وخلاصة المقال: تذكير النّبهاء من نشئنا بأن يقبلوا على العلم بهمم كبيرة، صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يبلى الجديدان «1» ، وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك ولا طول مسافة الطّريق، وألسنة مهذّبة لا تقع في لغو أو مهاترة.

إنّ عظيم الهمّة يستخفّ بالمرتبة السّفلى أو المرتبة المتوسّطة من معالي الأمور، ولا تهدأ نفسه إلّا حين يضع نفسه في أسمى منزلة وأقصى غاية، ويعبّر عن هذا المعنى النّابغة الجعديّ بقوله:

بلغنا السّماء مجدنا وجدودنا ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا وإذا كان هذا الخلق لا يقع إلّا على معالي الأمور فلا عظمة لهمم قوم يبتغون النّهاية في زينة هذه الحياة، ويغرقون في التّمتّع بلذّاتها المادّيّة.

ومن الخطل في الرّأي أن ينزع الرّجل إلى خصلة شريفة، حتّى إذا شعر بالعجز عن بلوغ غايتها البعيدة انصرف عنها جملة، والتحق بالطّائفة الّتي ليس لها في هذه الخصلة من نصيب، والّذي يوافق الحكمة ويقتضيه حقّ التّعاون في سعادة الجماعة أن يذهب الرّجل في همّه «2» إلى الغايات البعيدة ثمّ يسعى لها سعيها، ولا يقف دون النّهاية إلّا حيث ينفد جهده، ولا يهتدي للمزيد على ما فعل سبيلا.

والناس في الحقيقة أصناف

رجل يشعر بأنّ فيه الكفاية لعظائم الأمور، ويجعل هذه العظائم همّته، وهذا من يسمّى (عظيم الهمّة) أو (عظيم النّفس) ، ورجل فيه الكفاية لعظائم الأمور ولكنّه يبخس نفسه، فيضع همّه في سفساف الأمور وصغائرها، وهذا من يسمّى (صغير الهمّة) أو (صغير النّفس) ، ورجل لا يكفي لعظائم الأمور، ويحسّ بأنّه لا يستطيعها وأنّه لم يخلق لأمثالها فيجعل همّته وسعيه على قدر استعداده، وهذا الرّجل بصير بنفسه متواضع في سيرته.

هؤلاء ثلاثة، ورابعهم لا يكفى للعظائم ولكنّه يتظاهر بأنّه قويّ عليها مخلوق لأن يحمل أثقالها، وهذا من يسمّونه (فخورا) ، وإن شئت فسمّه (متعظّما) .


من أين ينشأ عظم الهمة؟

يتربّى عظم الهمّة من طريق الاقتداء، أو من طريق تلقين الحكمة وبيان فضل عظم الهمّة وما يكسب صاحبه من سؤدد وكمال، أو من طريق درس التّاريخ والنّظر في سير أعاظم الرّجال، فإنّا لو أخذنا نبحث عن مفاخر أولئك الّذين يلهج التّاريخ بأسمائهم لوجدنا معظم مفاخرهم قائمة على هذا الخلق الّذي نسمّيه (عظم الهمّة) ، والقرآن يملأ النّفوس بعظم الهمّة، وهذا العظم هو الّذي قذف بأوليائه ذات اليمين وذات الشّمال، فأتوا على عروش كانت ظالمة، ونسفوها من وجه البسيطة نسفا ثمّ رفعوا لواء العدل والحرّيّة، وفجّروا أنهار العلوم تفجيرا، وإذا رأينا من بعض قرّائه همما ضئيلة ونفوسا خاملة فلأنّهم لم يتدبّروا آياته، ولم يتفقّهوا في حكمه.

فضل عظم الهمة

قال الماورديّ- رحمه الله-: اعلم أنّ من شواهد الفضل، ودلائل الكرم: المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم.

ومن حقوق المروءة وشروطها، ما لا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة، فثبت أنّ مراعاة النّفس إلى أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها، إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ، حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل:

سيّد القوم أشقاهم.

وقال الشّاعر:

وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام والدّاعي إلى استسهال ذلك شيئان: أحدهما: علوّ الهمّة، والثّاني: شرف النّفس. أمّا علوّ الهمّة، فلأنّه باعث على التّقدّم، وداع إلى التّخصيص، أنفة من خمول الضّعة، واستنكارا لمهانة النّقص «1» .

يسمو هذا الخلق بصاحبه فيتوجّه به إلى النّهايات من معالي الأمور فهو الّذي ينهض بالضّعيف يضطهد أو يزدرى، فإذا هو عزيز كريم، وهو الّذي يرفع القوم من سقوط، ويبدّلهم بالخمول نباهة، وبالاضطهاد حرّيّة، وبالطّاعة العمياء شجاعة أدبيّة.

نعم! يورد هذا الخلق صاحبه موارد التّعب والعناء، ولكن التّعب في سبيل الوصول إلى النّهاية من معالي الأمور يشبه الدّواء المرّ فيسيغه المريض كما يسيغ الشّراب عذبا باردا، وعظيم الهمّة قد يشتدّ حرصه على الشّرف حتّى لا يكاد يشعر بما يلاقيه في سبيله من أنكاد وأكدار «2» .

قال الشّيخ الخضر حسين- رحمه الله-:

وممّا جبل عليه الحرّ الكريم، ألايقنع من شرف الدّنيا والآخرة بشيء ممّا انبسط له، أملا فيما هو أسنىمنه درجة وأرفع منزلة، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز لدكين الرّاجز: إنّ لي نفسا توّاقة، فإذا بلغك أنّي صرت إلى أشرف من منزلتي هذه، فبعين ما أرينّك- قال له ذلك وهو عامل المدينة لسليمان بن عبد الملك- فلمّا صارت إليه الخلافة قدم عليه دكين، فقال له: أنا كما أعلمتك أنّ لي نفسا توّاقة، وأنّ نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدّنيا، فلمّا بلغتها وجدتها تتوق لأشرف منازل الآخرة.

وفي هذا المعنى:

والحرّ لا يكتفي من نيل مكرمة ... حتّى يروم الّتي من دونها العطب يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يستدعه رغب لذاك ما سال موسى ربّه أرني ... أنظر إليك وفي تساله عجب يبغي التّزيّد فيما نال من كرم ... وهو النّجيّ لديه الوحي والكتب «1»

علو الهمة وكبر الهمة وعظم الهمة

يعبّر عن هذه الصّفة أحيانا بعظم الهمّة وأحيانا بكبر الهمّة، أمّا عكس ذلك فهو «صغر الهمّة» ، ومن هنا فإنّ تعريف عظم الهمّة أو كبر الهمّة هو نفسه تعريف لعلوّ الهمّة.

مجالات علوّ الهمّة

ذكر صاحب كتاب (علوّ الهمّة) أنّ لهذا العلوّ مجالات خمس: طلب العلم، العبادة والاستقامة، البحث عن الحقّ، الدّعوة إلى الله تعالى، والجهاد في سبيل الله، وسنوجز القول في هذه المجالات كما يلي «2» :

المجال الأوّل: طلب العلم: يتمثّل علوّ الهمّة في طلب العلم في:

1- غيرة على الوقت أن ينفق في غير فائدة.

2- عزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل «3» .

3- حرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة.

4- غوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك، ولا طول مسافة الطّريق.

5- ألسنة مهذّبة لا تقع في لغو ولا مهاترة لأنّها شغلت بالحقّ فأشغلها عن الباطل.

لقد كان السّلف الصّالح- رضوان الله عليهم- المثل الأعلى في علوّ الهمّة في طلب العلم، وكان على رأسهم عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس ومحمّد ابن إدريس الشّافعيّ وأحمد بن حنبل، وغيرهم كثير، فعمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-كان يتناوب مع جار له من الأنصار النّزول إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، يقول ابن الخطّاب: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وها هو ابن عبّاس- رضي الله عنهما- يحدّث عن علوّ همّته في طلب العلم فيقول: كان يبلغني الحديث عن الرّجل فاتي بابه وهو قائل «1» ، فأتوسّد ردائي على بابه، يسفي الرّيح عليّ من التّراب فيخرج فيراني فيقول: يابن عمّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما جاء بك؟ هلّا أرسلت إليّ فاتيك؟. فأقول: لا، أنا أحقّ أن آتيك.

أمّا الشّافعيّ فقد وصف حاله مع العلم بقوله:

أسمع بالحرف ممّا لم أسمعه، فتودّ أعضائي أنّ لها أسماعا تتنعّم به ما تنعّمت به الأذنان. وقيل له يوما:

كيف حرصك على العلم؟ قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذّته للمال، فقيل له: فكيف طلبك له؟ قال:

طلب المرأة المضلّة ولدها ليس لها غيره، أمّا أحمد ابن حنبل فقد حكى عن نفسه «كنت ربّما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمّي بثيابي حتّى يؤذّن النّاس، أو حتّى يصبحوا» .

وقال: «لو كان عندي خمسون درهما لخرجت إلى جرير بن عبد الحميد» «2» ، وكان من مظاهر علوّ همّتهم في طلب العلم الدّأب على تحصيله في أقلّ وقت ممكن وها هو الفيروز اباديّ صاحب القاموس يقرأ صحيح مسلم على شيخه في ثلاثة أيّام، أمّا الحافظ ابن حجر فقرأ صحيح البخاريّ في أربعين ساعة، وصحيح مسلم في أربعة مجالس عدا جلسة الختم «3» .

ومن هذه المظاهر أيضا الرّحلة في طلب العلم حتّى لقد كان الواحد منهم يرحل مسيرة شهر في حديث واحد «4» ، وكانوا يتحمّلون الفقر والفاقة دون أن يفتّ ذلك في عضدهم، وكانوا لا يكترثون بذلك تمسّكا بمثوبة الصّبر، وكانوا ينفقون كلّ ما عندهم في سبيل العلم، وها هو يحيى بن معين- رحمه الله تعالى- خلّف له أبوه ألف ألف درهم فأنفقها كلّها على تحصيل الحديث حتّى لم يبق له نعل يلبسه، وكان ذلك عندهم- كما أخبر ابن الجوزيّ- أحلى من العسل.


يقول- رحمه الله تعالى- لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصّبا آخذ أرغفة يابسة وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء «5» .


ومن مظاهر ذلك أيضا سهرهم اللّيالي فيطلب العلم وعدم الخلود إلى راحة النّوم، يقول ابن كثير: كان البخاريّ يستيقظ في اللّيلة الواحدة من نومه، فيوقد السّراج ويكتب الفائدة تمرّ بخاطره، ثمّ يطفىء سراجه، ثمّ يقوم مرّة أخرى وأخرى، حتّى كان يتعدّد منه ذلك قريبا من عشرين مرّة. والحكايات في ذلك أكثر من أن تحصى «1» .

أمّا مذاكرة العلم ومدارسته فحدّث عنهم ولا حرج، فمن ذلك ما حكاه القطب اليونينيّ عن الإمام النّوويّ من أنّه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلّا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتّى إنّه في ذهابه في الطّريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظه أو مطالعة، وإنّه بقي على التّحصيل- على هذا الوجه- ستّ سنين، وكان يقرأ في كلّ يوم اثنى عشر درسا على المشايخ شرحا وتصحيحا، أمّا همّتهم في الحفظ فيكفي دليلا عليها أنّ الإمام أحمد كان يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له:

ما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب «2» .

المجال الثّاني: علوّ الهمّة في العبادة والاستقامة: لقد فقه سلفنا الصّالح عن الله أمره، وتدبّروا في حقيقة الدّنيا فاستوحشوا من فتنتها وتجافت جنوبهم عن مضاجعها، وارتفعت همّتهم عن سفاسفها، فلا تراهم إلّا صوّامين قوّامين، وقد حفلت تراجمهم بأخبار زاخرة تشيد بعلوّ همّتهم في التّوبة والاستقامة، وقوّة عزيمتهم في العبادة والإخبات.


المجال الثّالث: البحث عن الحقّ: لقد حفل التّاريخ الإسلاميّ بنماذج رائعة من المهتدين الّذين ارتفعت همّتهم في البحث عن الحقيقة الدّينيّة أو البحث عن الدّين الحقّ، وبذلوا في سبيل ذلك النّفس والنّفيس، فصاروا مضرب الأمثال، وحجّة لله على خلقه أنّ من انطلق باحثا عن الحقّ مخلصا لله تعالى فإنّ الله عزّ وجلّ يهديه إليه ويمنّ عليه بأعظم نعمة في الوجود هي نعمة الإسلام «3» .


المجال الرّابع: علوّ الهمّة في الدّعوة إلى الله: من أعظم ما يهتمّ به الدّاعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النّصح لهم والصّبر على مشاقّ الدّعوة حتّى تبلغ الغاية الّتي يريد الله أن تبلغها، وقد كان الرّسل الكرام على رأس قائمة عالي الهمّة في هذا المجال وكان حبيبنا وسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم في ذلك الغاية العظمى، والمثل الأعلى الّذي ينبغي أن يحذو حذوه كلّ داعية إلى الله عزّ وجلّ، إذ لم يكن همّه هداية قومه من قريش أو من العرب فحسب وإنّما خاطب ملوك العالم ورؤساءه كي يدخلوا في دين الله.

المجال الخامس: الجهاد في سبيل الله: لا يحتاج مجال لعلوّ الهمّة ما يحتاجه الجهاد في سبيل الله وذلك لأنّه يتطلّب رجالا وصفهم الله عزّ وجلّ بقوله:

صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (الأحزاب/ 23) .

وقد ضرب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم المثل الأعلى في هذا المجال فلم يكن أحد أقرب إلى العدوّ (أي أنّه كان يقاتل في الصّفوف الأماميّة) منه، وكان الصّحابة رضوان الله عليهم مضرب المثل في الشّجاعة اقتداء به صلّى الله عليه وسلّم، وها هو أبو محجن الثّقفيّ يقاتل الفرس يوم القادسيّة حتّى ظنّ بعضهم أنّه ملك «1» .

إنّه ما أحوجنا في هذه الأيّام إلى إحياء هذه الرّوح الوثّابة والهمّة العالية في الجهاد ضدّ أعداء الله وأعدائنا في فلسطين، والشّيشان، والبوسنة وغير ذلك من بلاد المسلمين الّتي يدنّسها الأعداء.

القيامة التربوية ل «علوّ الهمّة»

إنّ تربية أطفالنا تحتاج كي تؤتي ثمارها في المستقبل رجالا أشدّاء، وجيلا معافى في بدنه وعقله، وحرّاسا للعقيدة والوطن أن نغرس في هؤلاء الأطفال منذ نعومة أظفارهم هذا الخلق الرّفيع «علوّ الهمّة» .

وتعدّ الأسرة- وبخاصّة الوالدين أو من يقوم مقامهما- أهمّ عناصر البيئة تأثيرا في إظهار النّبوغ وزراعة الهمّة العالية في قلوب الأطفال، وهذا ما يفسّر لنا سرّ اتّصال سلسلة النّابغين من أبناء أسر معيّنة- كال تيميّة مثلا- حيث تجتمع الاستعدادات الفطريّة، والقدرات الإبداعيّة مع البيئة المساعدة الّتي تكشف هذه المواهب مبكّرا وتنمّيها وتوجّهها إلى الطّريق الأمثال «2» ، وها هو الزّبير بن العوّام- رضي الله عنه- الّذي عدل به عمر ألفا من الرّجال، يشبّ في كنف أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب عمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأخت أسد الله حمزة، وهؤلاء الكملة العظام، عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزّبير- رضي الله عنهم جميعا- كلّهم ثمرات أمّهم ذات النّطاقين أسماء بنت أبي بكر- رضي الله عنهما- «3» ، لقد كان لما غرسته هاتان المرأتان أكبر الأثر في علوّ همّة أبنائهما، وقد حفظ التّاريخ قول السّيّدة فاطمة بنت أسد لابنها عقيل بن أبي طالب:


أنت تكون ماجد نبيل ... إذا تهبّ شمأل بليل «4» .

فنشأ- رضي الله عنه- عالي الهمّة قويّ الشّكيمة لا يخشى في الحقّ لومة لائم، وقد كانمعاوية- رضي الله عنه- يفخر بتربية أمّه له، فيقول إذا نوزع بالفخر: أنا ابن هند. وما كان له ليقول ذلك إلّا إذا كانت قد اشتهرت بحسن التّربية وتنشئة أولادها على جميل الصّفات، وغرست فيهم روح السّيادة وعلوّ الهمّة، قيل لها ومعاوية وليد بين يديها: إنّي أظنّ أنّ هذا الغلام سيسود قومه. قالت: ثكلته إذن إن لم يسدقومه «1» .

وها هو والد الشّيخ محمّد بن عبد الوهّاب في عصر قريب يربّي ابنه على تحمّل المشاقّ ويدرّبه على الإقدام، ويستجيب لطلبه أداء فريضة الحجّ في سنّ مبكّرة فنشأ قويّ الشّكيمة عالي الهمّة واثقا من نفسه، مستعدّا لتحمّل المسئوليّات الكبار، يدلّ على ذلك ما كتبه والد الشّيخ إلى صديق له: تحقّقت أنّه بلغ الاحتلام قبل بلوغه الثّانية عشرة، ورأيته أهلا للصّلاة بالجماعة والائتمام، فقدّمته لمعرفته بالأحكام، وزوّجته بعد البلوغ مباشرة ثمّ طلب منّي الحجّ إلى بيت الله الحرام، فأجبته بالإسعاف إلى ذلك المرام، فحجّ وقضى ركن الإسلام «2» .

إنّ تربية الأطفال على علوّ الهمّة لا تنهض به الأسرة وحدها، وإنّما هو واجب المدرسة أيضا، إذ على المعلّم أن يغرس هذه القيامة العظمى في نفوس تلاميذه، وأيضا فإنّ وسائل الإعلام الحديثة- مسموعة أو مرئيّة أو مكتوبة- عليها دور كبير في غرس هذه الهمّة العالية في نفوس مستمعيها أو النّاظرين إليها أو قرّائها، حتّى يخرج من بين هؤلاء من ينهض بالأمّة ويقيلها من العثرات، ومن الوسائل التّربويّة الّتي تساعد في بثّ هذه الرّوح عامل التّشجيع الّذي ينهض به أثرياء الأمّة، فيقيمون المسابقات ويكافئون النّابغين، ولنا في سلفنا الصّالح في هذا المجال أسوة حسنة، يقول الشّاطبيّ في هذه الوسيلة (أي التّشجيع) : إنّها واجب على الكفاية، فإن قام بها البعض سقط الوجوب عن الاخرين وإن لم يقم بها أحد أثموا جميعا، القادر لأنّه قصّر وغير القادر لأنّه قصّر فيما يستطيعه، وهو التّفتيش عن القادر وحمله على العمل وحثّه وتشجيعه، وإعانته على القيام به، بل وإجباره على ذلك «3» .


وقد كان الخلفاء والأمراء في طليعة المشجّعين لطلبة العلم وتربيتهم على علوّ الهمّة، وها هو أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب يشجّع ابن عبّاس ويدخله عليه مع من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار، يقول ابن عبّاس- رضي الله عنهما-: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه فقال: لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنّه من حيث علمتم.

فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رئيت أنّه دعاني يومئذ إلّا ليريهم، قال: ما تقولون فيقول الله تعالى إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فقال بعضهم:

أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عبّاس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلمه له، قال: إذا جاء نصر الله والفتح- وذلك علامة أجلك- فسبّح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توّابا. فقال عمر: ما أعلم منها إلّا ما تقول «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: الطموح- القوة- قوة الإرادة- الطاعة- المروءة- النشاط- الشجاعة- الرجولة- النبل- الشرف- المسئولية.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: صغر الهمة- التخاذل- الضعف- الكسل- الوهن- التهاون- التنصل من المسئولية- اليأس] .

الأحاديث الواردة في (علو الهمة)

1-* (عن الحسين بن عليّ- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله تعالى يحبّ معالي الأمور، وأشرافها، ويكره سفسافها» «1» ) * «2» .

الأحاديث الواردة في (علو الهمة) معنى

2-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

بعث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال «ماذا عندك يا ثمامة؟» «3» ، فقال: عندي خير.

يا محمّد، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت.

فترك حتّى كان الغد، ثمّ قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» ، فقال: ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر.

فتركه حتّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» ، فقال: عندي ما قلت لك، فقال: «أطلقوا ثمامة» ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد ألاإله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله.

يا محمّد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟. فبشّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأمره أن يعتمر، فلمّا قدم مكّة قال له قائل:


صبوت؟، قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم) * «4» .

3-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهّز أبو بكر مهاجرا؟ فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: على رسلك فإنّي أرجو أن يؤذن لي ... الحديث وفيه: قالت عائشة: بينما نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظّهيرة، فقال قائل لأبي بكر:

هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مقبلا متقنّعا. في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدا لك بأبي وأمّي، والله إن جاء به في هذه السّاعة إلّا لأمر. فجاء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فاستأذن فأذن له، فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر:

«أخرج من عندك» ، قال: إنّما هم أهلك «1» بأبي أنت يا رسول الله، قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج» ، قال:

فالصّحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال: «نعم» ... الحديث) *» .

4-* (قال أبو ذرّ- رضي الله عنه- خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يحلّون الشّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أنيس وأمّنا، فنزلنا على خال لنا، فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا، فحسدنا قومه فقالوا: إنّك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم «3» أنيس، فجاء خالنا فنثا «4» علينا الّذي قيل له، فقلت: أمّا ما مضى من معروفك فقد كدّرته، ولا جماع لك فيما بعد، فقرّبنا صرمتنا «5» ، فاحتملنا عليها، وتغطّى خالنا ثوبه فجعل يبكي، فانطلقنا حتّى نزلنا بحضرة مكّة، فنافر «6» أنيس عن صرمتنا وعن مثلها «7» ، فأتينا الكاهن فخيّر أنيسا، فأتانا أنيس بصرمتنا ومثلها معها.


قال: وقد صلّيت يابن أخي، قبل أن ألقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بثلاث سنين، قلت: لمن؟ قال: للهّ، قلت: فأين توجّه؟ قال: أتوجّه حيث يوجّهني ربّي، أصلّي عشاء حتّى إذا كان من آخر اللّيل ألقيت كأنّي خفاء «8» ، حتّى تعلوني الشّمس.

فقال أنيس: إنّ لي حاجة بمكّة فاكفني، فانطلق أنيس حتّى أتى مكّة، فراث عليّ «9» ، ثمّ جاء، فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكّة على دينك، يزعم أنّ الله أرسله، قلت: فما يقول النّاس؟، قال: يقولون:

شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس أحد الشّعراء.

قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشّعر «10» فما يلتئم على لسان أحد بعدي، أنّه شعر، والله! إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون.

قال: قلت: فاكفني حتّى أذهب فأنظر، قال:

فأتيت مكّة، فتضعّفت «1» رجلا منهم، فقلت: أين هذا الّذي تدعونه الصّابأ؟ فأشار إليّ، فقال: الصّابأ «2» ، فمال عليّ أهل الوادي بكلّ مدرة وعظم، حتّى خررت مغشيّا عليّ، قال:

فارتفعت حين ارتفعت، كأنّي نصب أحمر «3» ، قال: فأتيت زمزم فغسلت عنّي الدّماء، وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم.

ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني «4» ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع «5» .

قال: فبينا أهل مكّة في ليلة قمراء «6» إضحيان «7» ، إذ ضرب على أسمختهم «8» فما يطوف بالبيت أحد، وامرأتين «9» منهم تدعوان إسافا ونائلة، قال:

فأتتا عليّ في طوافهما، فقلت: أنكحا أحدهما الاخرى، قال: فما تناهتا «10» عن قولهما، قال: فأتتا عليّ، فقلت: هن مثل الخشبة «11» غير أنّي لا أكني، فانطلقتا تولولان «12» ، وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا «13» ، قال: فاستقبلهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر، وهما هابطان، قال:


«مالكما؟» ، قالتا: الصّابىء بين الكعبة وأستارها، قال: «ما قال لكما؟» ، قالتا: إنّه قال لنا كلمة تملأ الفم «14» ، وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى استلم الحجر،وطاف بالبيت هو وصاحبه، ثمّ صلّى، فلمّا قضى صلاته (قال أبو ذرّ) فكنت أنا أوّل من حيّاه بتحيّة الإسلام، قال: فقلت: السّلام عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك ورحمة الله» .

ثمّ قال: «من أنت؟ «1» » ، قال: قلت: من غفار، قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته، فقلت في نفسي: كره أن انتميت إلى غفار، فذهبت آخذ بيده فقدعني «2» صاحبه، وكان أعلم به منّي، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال:


«متى كنت هاهنا؟» ، قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين، بين ليلة ويوم، قال: «فمن كان يطعمك؟» ، قال: قلت: ما كان لي طعام إلّا ماء زمزم، فسمنت حتّى تكسّرت عكن بطني، وما أجد على كبدي سخفة جوع. قال: «إنّها مباركة، إنّها طعام طعم «3» » .

فقال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه اللّيلة، فانطلق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر، وانطلقت معهما، ففتح أبو بكر بابا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطّائف، وكان ذلك أوّل طعام أكلته بها، ثمّ غبرت ما غبرت «4» ، ثمّ أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: «إنّه قد وجّهت لي أرض «5» ذات نخل، لا أراها «6» إلّا يثرب «7» فهل أنت مبلّغ عنّي قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم» .

فأتيت أنيسا، فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أنّي قد أسلمت وصدّقت، قال: ما بي رغبة عن دينك، فإنّي قد أسلمت وصدّقت، فأتينا أمّنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما «8» ، فإنّي أسلمت وصدّقت. فاحتملنا «9» حتّى أتينا قومنا غفارا، فأسلم نصفهم، وكان يؤمّهم إيماء1» بن رحضة الغفاريّ وكان سيّدهم.


وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله إخوتنا، نسلم على الّذي أسلموا عليه، فأسلموا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله» ) * «11» .

5-* (عن سليمان بن بلال- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما «12» ، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد- رضي الله عنهما-: إنّه لابدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنّةلاثرتك به، إنّي أرجو الشّهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد، فخرج مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودّ ... الحديث) * «1» .


6-* (عن سعد- رضي الله عنه- قال:

رأيت أخي عمير بن أبي وقّاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم بدر يتوارى، فقلت: ما لك يا أخي؟، قال: إنّي أخاف أن يراني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج لعلّ الله أن يرزقني الشّهادة، قال: فعرض على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فردّه، فبكى فأجازه، فكان سعد- رضي الله عنه- يقول:

فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة) * «2» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (علو الهمة)

1-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: حدّثني سلمان قال: كنت رجلا من أهل فارس من أصبهان، من جيّ، ابن رجل من دهاقينها- وفي حديث ابن إدريس: وكان أبي دهقان «3» أرضه، وكنت أحبّ الخلق إليه- وفي حديث البكّائيّ: أحبّ عباد الله إليه، فأجلسني في البيت كالجواري، فاجتهدت في الفارسيّة- وفي حديث عليّ بن جابر: في المجوسيّة- فكنت في النّار الّتي توقد فلا تخبو، وكان أبي صاحب ضيعة، وكان له بناء يعالجه- زاد ابن إدريس في حديثه:

في داره- فقال لي يوما: يا بنيّ، قد شغلني ما ترى فانطلق إلى الضّيعة، ولا تحتبس فتشغلني عن كلّ ضيعة بهمّي بك، فخرجت لذلك فمررت بكنيسة النّصارى وهم يصلّون، فملت إليهم وأعجبني أمرهم، وقلت:

هذا والله خير من ديننا، فأقمت عندهم حتّى غابت الشّمس، لا أنا أتيت الضّيعة، ولا رجعت إليه، فاستبطأني وبعث رسلا في طلبي، وقد قلت للنّصارى حين أعجبني أمرهم: أين أصل هذا الدّين؟. قالوا:

بالشّام. فرجعت إلى والدي، فقال: يا بنيّ، قد بعثت إليك رسلا، فقلت: مررت بقوم يصلّون في كنيسة، فأعجبني ما رأيت من أمرهم، وعلمت أنّ دينهم خير من ديننا، فقال: يا بنيّ دينك ودين آبائك خير من دينهم، فقلت: كلّا والله، فخافني وقيّدني.


فبعثت إلى النّصارى وأعلمتهم ما وافقني من أمرهم، وسألتهم إعلامي من يريد الشّام، ففعلوا، فألقيت الحديد من رجليّ، وخرجت معهم، حتّى أتيت الشّام، فسألتهم عن عالمهم، فقالوا:

الأسقفّ، فأتيته فأخبرته، وقلت: أكون معك أخدمك وأصلّي معك؟. قال: أقم، فمكثت مع رجل سوء في دينه، كان يأمرهم بالصّدقة، فإذا أعطوه شيئا أمسكه لنفسه، حتّى جمع سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا «1» ، فتوفّي، فأخبرتهم بخبره فزبروني، فدللتهم على ماله، فصلبوه ولم يغيّبوه ورجموه، وأحلّوا مكانه رجلا فاضلا في دينه زهدا ورغبة في الآخرة وصلاحا، فألقى الله حبّه في قلبي، حتّى حضرته الوفاة فقلت: أوصني، فذكر رجلا بالموصل، وكنّا على أمر واحد حتّى هلك.

فأتيت الموصل، فلقيت الرّجل فأخبرته بخبري، وأنّ فلانا أمرني بإتيانك، فقال: أقم، فوجدته على سبيله وأمره، حتّى حضرته الوفاة، فقلت: أوصني، فقال: ما أعرف أحدا على ما نحن عليه إلّا رجلا بعمّوريّة.

فأتيته بعمّوريّة فأخبرته بخبري، فأمرني بالمقام وثاب لي شيء، واتّخذت غنيمة وبقيرات، فحضرته الوفاة فقلت: إلى من توصي بي؟ فقال: لا أعلم أحدا اليوم على مثل ما كنّا عليه، ولكن قد أظلّك نبيّ يبعث بدين إبراهيم الحنيفيّة، مهاجره بأرض ذات نخل، وبه آيات وعلامات لا تخفى، بين منكبيه خاتم النّبوّة، يأكل الهديّة، ولا يأكل الصّدقة، فإن استطعت فتخلص إليه، فتوفّي.


فمرّ بي ركب من العرب، من كلب، فقلت:

أصحبكم وأعطيكم بقراتي وغنمي هذه، وتحملوني إلى بلادكم؟ فحملوني إلى وادي القرى، فباعوني من رجل من اليهود «2» ، فرأيت النّخل، فعلمت أنّه البلد الّذي وصف لي، فأقمت عند الّذي اشتراني، وقدم عليه رجل من بني قريظة فاشتراني منه، وقدم بي المدينة، فعرفتها بصفتها، فأقمت معه أعمل في نخله، وبعث الله نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وغفلت عن ذلك حتّى قدم المدينة، فنزل في بني عمرو بن عوف فإنّي لفي رأس نخلة إذا أقبل ابن عمّ لصاحبي، فقال: أي فلان، قاتل الله بني قيلة، مررت بهم آنفا وهم مجتمعون على رجل قدم عليهم من مكّة، يزعم أنّه نبيّ، فو الله ما هو إلّا أن سمعتها فأخذني القرّ «3» ، ورجفت بي النّخلة، حتّى كدت أسقط، ونزلت سريعا، فقلت: ما هذا الخبر؟ فلكمني صاحبي لكمة، وقال: وما أنت وذاك؟ أقبل على شأنك، فأقبلت على عملي حتّى أمسيت، فجمعت شيئا فأتيته به، وهو بقباء عند أصحابه، فقلت: اجتمع عندي أردت «4» أن أتصدّق به، فبلغني أنّك رجل صالح، ومعك رجال من أصحابك ذوو حاجة، فرأيتكم أحقّ به، فوضعته بين يديه، فكفّ يديه، وقال لأصحابه:

كلوا، فقلت: هذه واحدة، ورجعت.

وتحوّل إلى المدينة، فجمعت شيئا فأتيته به،فقلت: أحببت كرامتك فأهديت لك هديّة، وليست بصدقة، فمدّ يده فأكل، وأكل أصحابه، فقلت:

هاتان اثنتان، ورجعت.

فأتيته وقد تبع جنازة في بقيع الغرقد، وحوله أصحابه فسلّمت، وتحوّلت أنظر إلى الخاتم في ظهره، فعلم ما أردت، فألقى رداءه، فرأيت الخاتم فقبّلته، وبكيت، فأجلسني بين يديه، فحدّثته بشأني كلّه كما حدّثتك يا ابن عبّاس، فأعجبه ذلك، وأحبّ أن يسمعه أصحابه، ففاتني معه بدر وأحد بالرّقّ، فقال لي: كاتب يا سلمان عن نفسك، فلم أزل بصاحبي حتّى كاتبته، على أن أغرس له ثلاثمائة وديّة «1» ، وعلى أربعين وقيّة «2» من ذهب، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أعينوا أخاكم بالنّخل» ، فأعانوني بالخمس والعشر، حتّى اجتمع لي، فقال لي: «فقّر «3» لها ولا تضع منها شيئا حتّى أضعه بيدي» ، ففعلت، فأعانني أصحابي حتّى فرغت، فأتيته، فكنت آتيه بالنّخلة فيضعها، ويسوّي عليها ترابا، فأنصرف، والّذي بعثه بالحقّ فما ماتت منها واحدة، وبقي الذّهب، فبينما هو قاعد إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة، من ذهب أصابه من بعض المعادن، فقال: «ادع سلمان المسكين الفارسيّ المكاتب» ، فقال: أدّ هذه، فقلت: يا رسول الله، وأين تقع هذه ممّا عليّ؟، وروى أبو الطّفيل، عن سلمان، قال:

أعانني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببيضة من ذهب، فلو وزنت بأحد لكانت أثقل منه) * «4» .

2- شجاعة أبي محجن الثّقفيّ- رضي الله عنه- (قتاله يوم القادسيّة حتّى ظنّوا أنّه ملك) .

  • (أخرج عبد الرّزّاق عن ابن سيرين قال:

كان أبو محجن الثّقفيّ- رضي الله عنه- لا يزال يجلد في الخمر، فلمّا أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلمّا كان يوم القادسيّة رآهم يقتتلون، فكأنّه رأى أنّ المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أمّ ولد سعد أو إلى امرأة سعد يقول لها: إنّ أبا محجن يقول لك: إن خلّيت سبيله وحملته على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحا، ليكوننّ أوّل من يرجع إليك إلّا أن يقتل، وأنشأ يقول:

كفى حزنا أن تلتقي الخيل بالقنا ... وأترك مشدودا عليّ وثاقياإذا قمت عنّاني الحديد وغلّقت ... مصارع دوني قد تصمّ المناديا فذهبت الاخرى، فقالت ذلك لامرأة سعد، فحلّت عنه قيوده، وحمل على فرس كان في الدّار وأعطي سلاحا، ثمّ خرج يركض حتّى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدقّ صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يتعجّب منه ويقول: من ذلك الفارس؟! فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتّى هزمهم الله، ورجع أبو محجن- رضي الله عنه-، وردّ السّلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان.

فجاء سعد- رضي الله عنه- فقالت له امرأته أو أمّ ولده: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها، ويقول:

لقينا ولقينا، حتّى بعث الله رجلا على فرس أبلق، لولا أنّي تركت أبا محجن في القيود لظننت أنّها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله إنّه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصّت عليه قصّته، فدعا به وحلّ قيوده.

قال أبو محجن- رضي الله عنه- أنا والله لا أشربها أبدا، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم، قال: فلم يشربها بعد ذلك) * «1» .

3-* (عن معقل بن يسار أنّ عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- شاور الهرمزان. فقال: ما ترى أبدأ: بفارس، أو بأذربيجان، أم بأصبهان؟.

فقال: إنّ فارس وأذربيجان الجناحان، وأصبهان الرّأس، فإن قطعت أحد الجناحين قام الجناح الاخر، فإن قطعت الرّأس وقع الجناحان، فابدأ بالرّأس.

فدخل عمر- رضي الله عنه- المسجد والنّعمان بن مقرّن- رضي الله عنه- يصلّي، فقعد إلى جنبه، فلمّا قضى صلاته قال: إنّي أريد أن أستعملك. قال: أمّا جابيا «2» ، فلا، ولكن غازيا.

قال: فأنت غاز. فوجّهه إلى أصبهان- فذكر الحديث- وفيه: فقال المغيرة للنّعمان: يرحمك الله إنّه قد أسرع في النّاس «3» ، فاحمل.


فقال: والله إنّك لذو مناقب «4» ، لقد شهدت مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القتال، وكان إذا لم يقاتل أوّل النّهار أخّر القتال حتّى تزول الشّمس، وتهبّ الرّياح، وينزل النّصر، قال: ثمّ قال: إنّي هازّ لوائي ثلاث مرّات: فأمّا الهزّة «5» الأولى فقضى الرّجل حاجته وتوضّأ، وأمّا الثّانية فنظر رجل في سلاحه، وفي شسعه «6» فأصلحه، وأمّا الثّالثة فاحملوا ولا يلوينّ أحد على أحد وإن قتل النّعمان فلا يلو «7» عليه أحد، فإنّي أدعو الله- عزّ وجلّ- بدعوة، فعزمت على كلّامرىء منكم لما أمّن عليها: اللهمّ أعط اليوم النّعمان الشّهادة في نصر المسلمين، وافتح عليهم.

وهزّ لواءه أوّل مرّة، ثمّ هزّ الثّانية، ثمّ شلّ «1» درعه، ثمّ حمل فكان أوّل صريع، فقال معقل:

فأتيت عليه، فذكرت عزمته، فجعلت عليه علما، ثمّ ذهبت- وكنّا إذا قتلنا رجلا شغل عنّا أصحابه- ووقع ذو الحاجبين عن بغلته، فانشقّ بطنه، فهزمهم الله، ثمّ جئت إلى النّعمان ومعي إداوة فيها ماء، فغسلت عن وجهه التّراب، فقال: من أنت؟ قلت:

معقل بن يسار. قال: ما فعل النّاس؟ فقلت: فتح الله عليهم. قال: الحمد للهّ، اكتبوا بذلك إلى عمر، وفاضت نفسه.

وعند الطّبريّ أيضا عن زياد بن جبير عن أبيه- رضي الله عنهما- فذكر الحديث بطوله في وقعة نهاوند، وفيه: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا غزا فلم يقاتل أوّل النّهار لم يعجل حتّى تحضر الصّلاة، وتهبّ الأرواح، ويطيب القتال فما منعني إلّا ذلك اللهمّ إنّي أسألك أن تقرّ عيني اليوم بفتح يكون فيه عزّ الإسلام، وذلّ يذلّ به الكفّار، ثمّ اقبضني إليك بعد ذلك على الشّهادة. أمّنوا يرحمكم الله فأمّنّا وبكينا) * «2» .

4-* (عن جعفر بن عبد الله بن أسلم الهمدانيّ- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم اليمامة كان أوّل النّاس جرح أبو عقيل الأنيفيّ- رضي الله عنه-، رمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده، فشطب في غير مقتل، فأخرج السّهم- ووهن له شقّه الأيسر- لما كان فيه، وهذا أوّل النّهار، وجرّ إلى الرّحل «3» - فلمّا حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم- وأبو عقيل واهن من جرحه- سمع معن بن عديّ- رضي الله عنه- يصيح بالأنصار: الله الله! «4» والكرّة على عدوّكم، وأعنق معن «5» يقدم القوم، وذلك حين صاحت الأنصار:

أخلصونا، أخلصونا، فأخلصوا رجلا رجلا يميّزون.

قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما-: فنهض أبو عقيل يريد قومه، فقلت: ما تريد يا أبا عقيل، ما فيك قتال؟!، قال: قد نوّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلت: إنّما يقول: يا للأنصار، لا يعني الجرحى!! قال أبو عقيل: أنا رجل من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوا! قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السّيف بيده اليمنى مجرّدا، ثمّ جعل ينادي: يا للأنصار، كرّة كيوم حنين، فاجتمعوا- رحمهم الله- جميعا يقدمون المسلمين دربة دون عدوّهم حتّى أقحموا عدوّهم الحديقة، فاختلطواواختلف السّيوف بيننا وبينهم.


قال ابن عمر: فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب، فوقعت على الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحا كلّها قد خلصت إلى مقتل، وقتل عدوّ الله مسيلمة، قال ابن عمر: فوقعت على أبي عقيل وهو صريع باخر رمق «1» ، فقلت: أبا عقيل، فقال: لبّيك. بلسان ملتاث «2» - لمن الدّبرة؟، قلت: أبشر، ورفعت صوتي: قد قتل عدوّ الله، فرفع أصبعه إلى السّماء يحمد الله، ومات- رحمه الله- قال ابن عمر:

فأخبرت عمر بعد أن قدمت خبره كلّه، فقال:

رحمه الله، ما زال يسأل الشّهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت من خيار أصحاب نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم وقديم إسلام) * «3» .

5-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنّ عمر- رضي الله عنه- قال يوم أحد لأخيه: خذ الدّرع يا أخي، قال: أريد من الشّهادة مثل الّذي تريد، فتركاها جميعا) * «4» .

6-* (روي عن عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- أنّه قال: لا تصغرنّ هممكم، فإنّي لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم) * «5» .

7-* (عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال:

خرجت مع عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- إلى السّوق، فلحقت عمر امرأة شابّة، فقالت: يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارا، والله ما ينضجون كراعا «6» ، ولا لهم زرع ولا ضرع» ، وخشيت أن تأكلهم الضّبع «8» ، وأنا بنت خفاف بن إيماء الغفاريّ، وقد شهد أبي الحديبية مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فوقف معها عمر ولم يمض، ثمّ قال: مرحبا بنسب قريب، ثمّ انصرف إلى بعير ظهير كان مربوطا في الدّار فحمل عليه غرارتين «9» ملأهما طعاما وحمل بينهما نفقة وثيابا، ثمّ ناولها بخطامه، ثمّ قال:

اقتاديه، فلن يفنى حتّى يأتيكم الله بخير. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أكثرت لها، قال عمر: ثكلتك أمّك، والله إنّي لأرى أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنا زمانا فافتتحاه ثمّ أصبحنا نستفيء سهماننا منه «10» ) * «11» .

8-* (كان سعيد بن عمرو بن العاص ذانخوة وهمّة، قيل له في مرضه: إنّ المريض يستريح إلى الأنين وإلى شرح ما به إلى الطّبيب.

فقال أمّا الأنين فهو جزع وعار، والله لا يسمع الله منّي أنينا فأكون عنده جزوعا، وأمّا وصف ما بي إلى الطّبيب فو الله لا يحكم غير الله في نفسي إن شاء أمسكها وإن شاء قبضها) * «1» .


9-* (عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير- رضي الله عنهما- قال: حدّثني أبي الّذي أرضعني- وكان أحد بني مرّة بن عوف. وكان في تلك الغزوة (غزوة مؤتة) ، قال: والله لكأنّي أنظر إلى جعفر- رضي الله عنه- حين اقتمّ «2» عن فرس له شقراء ثمّ عقرها، ثمّ قاتل القوم حتّى قتل، وهو يقول:

يا حبّذا الجنّة واقترابها طيّبة وبارد شرابها ... والرّوم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها ... عليّ إذ لاقيتها ضرابها ) * «3» .

10-* (قال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا، لأنّي لم أشاتم إلّا أحد رجلين:

إمّا كريم فأنا أحقّ أن أجلّه، وإمّا لئيم فأنا أولى أن أرفع نفسي عنه) * «4» .

11-* (قال الحافظ أبو بكر عبد الله بن الإمام الحافظ أبي داود السّجستانيّ، المولود سنة (303 هـ) .

قال: دخلت الكوفة ومعي درهم واحد فاشتريت به ثلاثين مدّا باقلّاء، فكنت آكل منه وأكتب عن الأشجّ عبد الله بن سعيد الكنديّ محدّث الكوفة، فما فرغ الباقلّاء حتّى كتبت عنه ثلاثين ألف حديث ما بين مقطوع ومرسل) * «5» .

12-* (قال الحافظ الذّهبيّ في تذكرة الحفّاظ في ترجمة الإمام محمّد بن جرير الطّبريّ، قال أبو محمّد الفرغانيّ تلميذ ابن جرير: كان محمّد بن جرير لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظم ما يؤذى، فأمّا أهل الدّين والعلم فغير منكرين علمه وزهده ورفضه الدّنيا وقناعته بما يجيئه من حصّة خلّفها له أبوه بطبرستان، قال: ورحل محمّد بن جرير لمّا ترعرع، وسمح له أبوه بالسّفر، وكان أبوه طول حياته يوجّه إليه بالشّيء بعد الشّيء إلى البلدان، فسمعته يقول: أبطأت منّي نفقة والدي واضطررت إلى أن بعت ثيابي. ولقد قال ابن جرير:

إذا أعسرت لم يعلم رفيقي ... وأستغني فيستغني صديقي حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مكالمتي رفيقيولو أنّي سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطّريق وهو الّذي يقول:

خلقان لا أرضى طريقهما ... بطر الغنى ومذلّة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر ) * «1»

13-* (حكى القاضي يحيى بن أكثم- رحمة الله عليه- قال: دخلت يوما على الخليفة هارون الرّشيد ولد المهديّ، وهو مطرق مفكّر، فقال لي:

أتعرف قائل هذا البيت:

الخير أبقى وإن طال الزّمان به ... والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ لهذا البيت شأنا مع قائله، فقال الرّشيد: عليّ به.

فلمّا حضر بين يديه، قال له: أخبرني عن قضيّة هذا البيت. فقال: يا أمير المؤمنين كنت في بعض السّنين حاجّا، فلمّا توسّطت البادية في يوم شديد الحرّ سمعت ضجّة عظيمة في القافلة ألحقت أوّلها باخرها، فسألت عن القصّة فقال لي رجل من القوم: تقدّم تر ما بالنّاس، فتقدّمت إلى القافلة فإذا أنا بشجاع أسود فاغر فاه كالجذع، وهو يخور كما يخور الثّور، ويرغو كرغاء البعير، فهالني أمره، وبقيت لا أهتدي إلى ما أصنع في أمره، فعدلنا عن طريقه إلى ناحية أخرى فعارضنا ثانيا، فعلمت أنّه لسبب، ولم يجسر أحد من القوم أن يقربه، فقلت:

أفدي هذا العالم بنفسي، وأتقرّب إلى الله تعالى بخلاص هذه القافلة من هذا، فأخذت قربة من الماء فتقلّدتها، وسللت سيفي، وتقدّمت فلمّا رآني قربت منه سكن، وبقيت متوقّعا منه وثبة يبتلعني فيها، فلمّا رأى القربة فتح فاه، فجعلت فم القربة فيه وصببت الماء كما يصبّ في الإناء، فلمّا فرغت القربة تسيّب في الرّمل ومضى، فتعجّبت من تعرّضه لنا وانصرافه عنّا من غير سوء لحقنا منه، ومضينا لحجّنا، ثمّ عدنا في طريقنا ذلك، وحططنا في منزلنا ذلك في ليلة مظلمة مدلهمّة فأخذت شيئا من الماء، وعدلت إلى ناحية عن الطّريق فقضيت حاجتي ثمّ توضّأت وصلّيت وجلست أذكر الله تعالى) * «2» .

14-* (قال مالك بن عمارة اللّخميّ: كنت جالسا في ظلّ الكعبة أيّام الموسم عند عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزّبير، وكنّا نخوض في الفقه مرّة، وفي المذاكرة مرّة، وفي أشعار العرب وأمثال النّاس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتّساع في المعرفة، والتّصرّف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث، فخلوت معه ليلة فقلت له، والله إنّي لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرّفكوحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إليّ والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إليّ فلعلّك أن تنقل إليّ ركابك، فلأملأنّ يديك.

فلمّا أفضت إليه الخلافة توجّهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر، فلمّا رآني أعرض عنّي فقلت: لعلّه لم يعرفني، أو عرفني وأظهر لي نكرة، فلمّا قضيت الصّلاة ودخل بيته لم ألبث أن خرج الحاجب، فقال: أين مالك بن عمارة. فقمت فأخذ بيدي وأدخلني عليه فمدّ إليّ يده وقال:

إنّك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلّا ما رأيت، فأمّا الان فمرحبا، وأهلا، كيف كنت بعدي، فأخبرته، فقال لي: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت: نعم، فقال:

والله ما هو بميراث وعيناه، ولا أثر رويناه، ولكنّي أخبرك بخصال منّي سمت بها نفسي إلى الموضع الّذي ترى. ما خنت ذا ودّ قطّ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ، ولا أعرضت عن محدّث حتّى ينتهي حديثه، ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذّذا بها.

فكنت أؤمّل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي، وقد فعل ثمّ دعا بغلام له، فقال: يا غلام بوّئه منزلا في الدّار، فأخذ الغلام بيدي، وأفرد لي منزلا حسنا، فكنت في ألذّ حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي، وأسمع كلامه، ثمّ أدخل عليه في وقت عشائه وغدائه فيرفع منزلتي، ويقبل عليّ ويحادثني ويسألني مرّة عن العراق، ومرّة عن الحجاز، حتّى مضت عشرون ليلة، فتغدّيت يوما عنده، فلمّا تفرّق النّاس نهضت قائما، فقال: على رسلك، فقعدت، فقال: أيّ الأمرين أحبّ إليك:


المقام عندي مع النّصفة لك في المعاشرة، أو الرّجوع إلى أهلك ولك الكرامة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين فارقت أهلي وولدي على أنّي أزور أمير المؤمنين، وأعود إليهم فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد، فقال: لا بل أرى لك الرّجوع إليهم، والخيار لك بعد في زيارتنا، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار كسوة، وحملناك، أتراني قد ملأت يديك؟ فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا، وزرنا إذا شئت، صحبتك السّلامة) * «1» .


15-* (قال ابن الجوزيّ: تأمّلت أحوال النّاس في حالة علوّ شأنهم فرأيت أكثر الخلق تبين حسراتهم حينئذ، فمنهم من بالغ في المعاصي من الشّباب، ومنهم من فرّط في اكتساب العلم ومنهم من أكثر من الاستمتاع باللّذات.

فكلّهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدراك لذنوب سلفت، أو قوى ضعفت، أو فضيلة فاتت، فيمضي زمان الكبر في حسرات، فإن كانت للشّيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت، قال:

وا أسفاه على ما جنيت؟ وإن لم يكن له إفاقة صار متأسّفا على فوات ما كان يلتذّ به.

فأمّا من أنفق عصر الشّباب في العلم فإنّه في زمن الشّيخوخة يحمد جنى ما غرس ويلتذّ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذّات البدن شيئا بالإضافة إلى ما يناله من لذّات العلم.

هذا مع وجود لذّاته في الطّلب الّذي كان يأمل به إدراك المطلوب، وربّما كانت تلك الأعمال أطيب ممّا نيل منها، كما قال الشّاعر:

أهتزّ عند تمنّي وصلها طربا ... وربّ أمنيّة أحلى من الظّفر ولقد تأمّلت نفسي بالإضافة إلى عشيرتي الّذين أنفقوا أعمارهم في اكتساب الدّنيا، وأنفقت زمن الصّبوة والشّباب في طلب العلم، فرأيتني لم يفتني ممّا نالوه إلّا ما لو حصل لي ندمت عليه، ثمّ تأمّلت حالي فإذا عيشي في الدّنيا أجود من عيشهم، وجاهي بين النّاس أعلى من جاههم، وما نلته من معرفة العلم لا يقاوم.

فقال لي إبليس: ونسيت تعبك وسهرك، فقلت له: أيّها الجاهل. تقطيع الأيدي لا وقع له «1» عند رؤية يوسف، وما طالت طريق أدّت إلى صديق:

جزى الله المسير إليه خيرا ... وإن ترك المطايا «2» كالمزاد «3» .

ولقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشّدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو «4» ، كنت في زمان الصّبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلّا عند الماء، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همّتي لا ترى إلّا لذّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أنّي عرفت بكثرة سماعي لحديث الرّسول صلّى الله عليه وسلّم وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم «5» - رضي الله عنهم أجمعين-.

16-* (قال الفضل- وهو ابن زياد-:

«سمعت أبا عبد الله، يقول: ليس تضمّ إلى معمر أحدا إلّا وجدته فوقه، رحل في الحديث إلى اليمن وهو أوّل من رحل، فقال له أبو جعفر: والشّام؟، فقال: لا، الجزيرة) » * «6» .

17-* (قال مكحول الدّمشقيّ الإمام: كنت عبدا بمصر لامرأة من بني هذيل فأعتقتني فما خرجت من مصر وبها علم إلّا حويت عليه فيما أرى، ثمّ أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلّا حويت عليه فيما أرى، ثمّ أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلّا حويت عليه فيما أرى، ثمّ أتيت الشّام فغربلتها، كلّ ذلك أسأل عن النّفل، فلم أجد أحدا يخبرني فيه بشيء حتّى أتيت شيخا يقال له زياد بن جارية التّميميّفقلت له: هل سمعت في النّفل شيئا؟ قال: نعم سمعت حبيب بن مسلمة الفهريّ يقول: شهدت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نفّل الرّبع في البدأة والثّلث في الرّجعة) * «1» .

18-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-: والّذي لا إله غيره لقد قرأت من في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضعا وسبعين سورة، ولو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله منّي تبلّغني الإبل إليه لأتيته) * «2» .

19-* (قال مسروق: قال عبد الله: ما أنزلت آية إلّا وأنا أعلم فيما أنزلت، ولو أنّي أعلم أنّ أحدا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل والمطايا لأتيته) * «3» .

20-* (كان الإمام البخاريّ يقوم في اللّيلة الواحدة ما يقرب من عشرين مرّة لتدوين حديث أو فكرة طرأت عليه، كما أنّه من أعظم الرّماة، ما كان سهمه يخطأ الهدف إلّا نادرا) * «4» .

21-* (وفي ترجمة الإمام الطّبرانيّ: هو الحافظ العلّامة أبو القاسم سليمان بن أحمد اللّخميّ الشّاميّ الطّبرانيّ مسند الدّنيا، زادت مؤلّفاته عن خمسة وسبعين مؤلّفا. سئل الطّبرانيّ عن كثرة حديثه، فقال:

كنت أنام على الحصير ثلاثين سنة) * «5» .

22-* (قال الإمام أحمد بن حنبل: رحلت في طلب العلم والسّنّة إلى الثّغور والشّامات والسّواحل والمغرب والجزائر ومكّة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعا وفارس وخراسان والجبال والأطراف ثمّ عدت إلى بغداد.

وقال: حججت خمس حجج منها ثلاث حجج راجلا- ولا يغيب عنك أنّ بلده بغداد- أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهما. وقال الإمام ابن الجوزيّ: طاف الإمام أحمد بن حنبل الدّنيا مرّتين حتّى جمع المسند «6» .

23-* (قال أبو عبد الله الحاكم النّيسابوريّ في كتابه (معرفة علوم الحديث) وهو يذكر فضل أصحاب الحديث وطلّابه: هم قوم سلكوا محجّة الصّالحين واتّبعوا آثار السّلف من الماضين، ودمغوا أهل البدع والمخالفين بسنن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

قوم آثروا قطع المفاوز والقفار على التّنعّم في الدّمن والأوكار، وتنعّموا بالبؤس في الأسفار مع مساكنة أهل العلم والأخبار، وقنعوا عند جمع الأحاديث والاثار بوجود الكسر والأطمار ... جعلوا المساجد بيوتهم وأساطينها تكاهم وبواريها «7» فرشهم، نبذوا الدّنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة وسمرهم المعارضة (أي مقابلة الكتاب الّذي كتبوه بالكتاب الّذي سمعوه أو نقلوا منه) واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم المداد، ونومهم السّهاد، واصطلاءهم الضّياء،وتوسّدهم الحصى، فالشّدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء، ووجود الرّخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس، فعقولهم بلذاذة السّنّة غامرة، وقلوبهم بالرّضاء في الأحوال عامرة، تعلّم السّنن سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السّنّة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم) * «1» .


24-* (قال أبو مسعود عبد الرّحيم الحاجيّ:

سمعت ابن طاهر يقول: بلت الدّم في طلب الحديث مرّتين، مرّة ببغداد ومرّة بمكّة، كنت أمشي حافيا في الحرّ فلحقني ذلك، وما ركبت دابّة قطّ في طلب الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري) * «2» .

25-* (في كتاب للهند: من لم يركب الأهوال لم ينل الرّغائب، ومن ترك الأمر الّذي لعلّه ينال منه حاجته مخافة ما لعلّه يوقّاه فليس ببالغ جسيما، وإنّ الرّجل ذا المروءة ليكون خامل الذّكر خافض المنزلة، فتأبى مروءته إلّا أن يستعلي ويرتفع، كالشّعلة من النّار الّتي يصونها صاحبها وتأبى إلّا ارتفاعا) * «3» .

26-* (كان أسباب فتح المعتصم عمّوريّة، أنّ امرأة من الثّغر سبيت، فنادت وا محمّداه وا معتصماه! فبلغه الخبر فركب لوقته وتبعه الجيش، فلمّا فتحها قال: لبّيك أيّتها المنادية) * «4» .

27-* (قيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء على الإنسان؟. قال: أن يعرف نفسه ويكتم الأسرار، فإذا اجتمع الأمران، واقترن بشرف النّفس علوّ الهمّة، كان الفضل بهما ظاهرا، والأدب بهما وافرا، ومشاقّ الحمد بينهما مسهّلة، وشروط المروءة بينهما متينة) * «5» .

28-* (قال بعض البلغاء: علوّ الهمّة، بذر النّعم) * «6» .

29-* (قال بعض الحكماء: الهمّة راية الجدّ) *» .

30-* (قال الشّاعر:

لعمرك ما أهويت كفّي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة ... من الدّهر إلّا قد أصابت فتى مثلي ) * «8» .

31-* (عكف أبو صالح أيّوب بن سليمان على كتاب العروض حتّى حفظه، فسأله بعضهم عنإقباله على هذا العلم بعد الكبر، فقال: حضرت قوما يتكلّمون فيه فأخذني ذلّ في نفسي أن يكون باب من العلم لا أتكلّم فيه) * «1» .

32-* (قال الشّاعر:

يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما أرى النّاس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما أنهنهها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيم أو لما؟ ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت، ولكن لأخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس لعظّما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه بالأطماع حتّى تجهّما ) * «2» .

33-* (قال حبيب الطّائيّ:

أعاذلتي ما أخشن اللّيل مركبا ... وأخشن منه في الملمّات راكبه ذريني وأهوال الزّمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه ) * «3» .

34-* (قال كعب بن زهير:

وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل ) * «4» .

35-* (قال امرؤ القيس:

فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال ولكنّما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي ) * «5»

من فوائد (علو الهمة)

(1) دليل على كمال الرّجولة وكمال المروءة.

(2) تثمر سعادة الدّنيا والآخرة.

(3) خلق يوصل إلى محبّة الله ومحبّة النّاس.

(4) يحقّق الرّفاهية والسّعادة للأفراد والشّعوب.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٩٨٨ مرة.