أدوات شخصية
User menu

كتمان السر

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الكتمان لغة

مصدر قولهم: كتم يكتم، كتما وكتمانا، وهو مأخوذ من مادّة (ك ت م) الّتي تدلّ على الإخفاء، ومن ذلك قولك: كتمت الحديث كتما وكتمانا، ويقال:

ناقة كتوم: لا ترغو إذا ركبت، قوّة وصبرا، وسحاب مكيتم: لا رعد فيه، وخرز كتيم: لا ينضح الماء، وقوس كتوم لا ترنّ «1» ، وقال الرّاغب: الكتمان: ستر الحديث، وكتمان الفضل هو كفران النّعمة، وقول الله تعالى:

وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (النساء/ 42) ، قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما- إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا، قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (الأنعام/ 23) فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا.

وقال الحسن: في الآخرة مواقف، في بعضها يكتمون وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم:

لا يكتمون الله حديثا: هو أن تنطق جوارحهم «2» .

وقولهم: سرّ كاتم، أي مكتوم. ومكتّم (بالتّشديد)

بولغ في كتمانه، واكتتمته مثل كتمته، أمّا استكتمته سرّي فمعناه: سألته أن يكتمه، وكاتمني سرّه:

كتمه عنّي، ورجل كتمة: إذا كان يكتم سرّه «3» ، ورجل كاتم للسّرّ وكتوم، والكتيم والكتوم القوس، وفي الحديث:

أنّه كان اسم قوس سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الكتوم» سمّيت به لانخفاض صوتها إذا رمي عنها، يقال:

كتمت (القوس) كتوما، وكتمت المزادة تكتم كتوما (أيضا) إذا ذهب سيلان الماء من مخارزها أوّل ما تسرّب «4» ، وقال الفيروز اباديّ: يقال: كتم الشّيء كتما وكتمانا، وكتّمه تكتيما، واكتتمه: أخفاه، قال زهير:

فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم ... ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم وكتمان الحقّ في قوله تعالى: وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (آل عمران/ 71) إنّما هو لليهود الّذين كانوا يعرفون نعوت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصفاته الواردة في التّوراة ويخفونها «5» .

الكتمان اصطلاحا

قال المناويّ: الكتمان: هو ستر الحديث «1» .

وقال الكفويّ: الكتمان: الصّبر في إمساك الضّمير «2» .

السّرّ لغة

السّرّ في اللّغة: اسم لما يسرّ به الإنسان أي يكتمه، وهو مأخوذ من مادّة (س ر ر) الّتي تدلّ على إخفاء الشّيء «3» ، ومن ذلك السّرّ: خلاف الإعلان.

يقال: أسررت الشّيء إسرارا: خلاف أعلنته. ومن الباب: السّرّ وهو النّكاح، وسمّي بذلك لأنّه أمر لا يعلن به، ويقال: السّرسور: العالم الفطن، وأصله من السّرّ، كأنّه اطّلع على أسرار الأمور «4» .

وقال الرّاغب:

الإسرار خلاف الإعلان. قال تعالى: يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (البقرة/ 77) .

ويقال: سارّه إذا أوصاه بأن يسرّه، وأسررت إلى فلان حديثا: أفضيت إليه في خفية، وقول الله تعالى:

تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (الممتحنة/ 1) أي يطلعونهم على ما يسرّون من مودّتهم، وقد فسّر بأنّ معناه:

يظهرون، وهذا صحيح لأنّ الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسّرّ، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذا قولهم: أسررت إليه يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء، وعلى هذا قوله تعالى: وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (نوح/ 9) «5» .

السّرّ اصطلاحا

قال الرّاغب: السّرّ: هو الحديث المكتّم في النّفس «6» .

كتمان السّرّ اصطلاحا

قال الجاحظ: ومنها «7» كتمان السّرّ وهذا الخلق مركّب من الوقار وأداء الأمانة، فإنّ إخراج السّرّ من فضول الكلام وليس بوقور من تكلّم بالفضول.

وأيضا فكما أنّه من استودع مالا فأخرجه إلى غير مودعه فقد خفر الأمانة، كذلك من استودع سرّا فأخرجه إلى غير صاحبه فقد خفر الأمانة، وكتمان السّرّ محمود من جميع النّاس وخاصّة ممّن يصحب السّلطان فإنّ إخراجه أسراره مع أنّه قبيح في نفسه يؤدّي إلى ضرر عظيم يدخل عليه من سلطانه «8» .

السّرّ نوعان

قال الرّاغب: السّرّ ضربان: أحدهما ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم، وذلك إمّا لفظا كقولك لغيرك:

اكتم ما أقول لك، وإمّا حالا وهو أن يتحرّى القائل حال انفراده فيما يورده، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه.

ولهذا قيل: إذا حدّثك الإنسانبحديث فالتفت فهو أمانة «1» . والثّاني: أن يكون حديثا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئا تريد فعله.

وإلى الأوّل من ذلك أشار النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «من أتى منكم من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله» وإلى الثّاني أشار من قال: «من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه» .


وكتمان النّوع الأوّل من الوفاء ويختصّ بعامّة النّاس، والثّاني من الحزم والاحتياط وهو مختصّ بالملوك وأصحاب السّياسات.

وإذاعة السّرّ من قلّة الصّبر وضيق الصّدر، وتوصف به ضعفة الرّجال والصّبيان والنّساء، والسّبب في أنّه يصعب كتمان السّرّ هو أنّ للإنسان قوّتين: آخذة، ومعطية.

وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها، ولولا أنّ الله تعالى وكّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوّده، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى فعلها الخاصّ بها.

فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب إطلاقها، ولا يخدعنّك عن سرّك قول من قال: وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق. وقول من ينشدك:

ويكاتم الأسرار حتّى كأنّه ... ليصونها عن أن تمرّ بباله فذلك قول من يستنزلك عمّا في قلبك، فإذا استفرغ ما عندك لم يرع فيه حقّك، فقد قيل: الصّبر على القبض على الجمر أيسر من الصّبر على كتمان السّرّ.

وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه: أريد أن أفشي إليك سرّا تحفظه عليّ فقال:

لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، وأجعل صدري خزانة شكواك، فيقلقني ما أقلقك، ويؤرّقني ما أرّقك فتبيت بإفشائه مستريحا ويبيت قلبي بحرّه جريحا.

وقد قيل: أكثر ما يستنزل الإنسان عن سرّه في ثلاثة مواضع: عند الاضطجاع على فراشه، وعند خلوّه بعرسه، وفي حال سكره، ومن حقّ من يسارر غيره أن يتجنّب المحافل لأمرين: أحدهما: الحذر من أن يساء به الظّنّ:

فهذا يقول قد اغتابني ... وذا يستريب، وذا يتّهم والثّاني: أنّه ربّما يتتبّع بالفحص فيطّلع على مراده.

ولذلك قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثّالث؛ فإنّ ذلك يحزنه» «2» .

والكتمان نوعان أيضا

الأوّل: الكتمان المحمود، وهو ضرب من الأمانة ونوع من الوفاء، وعلامة على الوقار، وهو كتمان سرّ الغير أو النّفس وهو مناط هذه الصّفة ومعقدها.

الآخر: الكتمان المذموم وهو على ضربين أيضا:

أ- كتمان الشّهادة: وقد ذمّه المولى عزّ وجلّ في قوله وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (البقرة/ 283) .

وقال عزّ وجلّ أيضا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ (البقرة/ 140) .

ب- كتمان ما أنزل الله: وقد أخذ المولى عزّوجلّ العهد على الأنبياء والمرسلين بألّا يكتموا ممّا أوحي عليهم شيئا، وتوعّد من يفعل ذلك بذلّ الدّنيا وعذاب الآخرة فقال عزّ من قائل إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (البقرة/ 174) .


وقد لعنهم المولى عزّ وجلّ في آية أخرى فقال إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة/ 159) .

قال العزّ بن عبد السّلام: وكتمان ذلك وسيلة إلى تضييع أحكام الله، وما يتعلّق بها من طاعة «1» .

كتمان السّرّ في القرآن الكريم

ورد في الذّكر الحكيم كلّ من لفظي «السّرّ» و «الكتمان» على حدته، ولكنّهما لم يردا معا بهذه الصّيغة «كتمان السّرّ» بيد أنّ المعنى المقصود بكتمان السّرّ قد ورد في آيات عديدة لاندراج هذه الصّفة في كلّ من الأمانة والوفاء من جهة، والوقار من جهة أخرى، وذلك أنّ نقيض هذه الصّفة وهو إفشاء السّرّ (انظرها في الصّفات المنهيّ عنها) من قبيل اللّغو الّذي أمرنا بالإعراض عنه، ومن ثمّ يكون الكتمان وقارا والإفشاء لغوا، ومن الوضوح بمكان أنّ الّذي يؤتمن على سرّ فيحافظ عليه يكون مؤدّيا للأمانة، وقد جاء في الحديث عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «إذا حدّث الرّجل بالحديث ثمّ التفت فهي أمانة» (انظر الحديث رقم 2) .


ومن الوفاء أيضا أن يحافظ المسلم على سرّ أخيه فيكتمه وإلّا كان غادرا، ومن حقّ المسلم على المسلم أن يكتم عنه ما يكون قد وصل إليه من سرّه، خاصّة إذا كان قد تعهّد له بحفظ هذا السّرّ وعدم إذاعته.


ومن هنا كان كتمان السّرّ نوعا من الوفاء بالعهد، وقد قال تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (الإسراء/ 34) .


[للاستزادة: انظر صفات: الأمانة- الشرف- الصمت وحفظ اللسان- المروءة- النبل.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: إفشاء السر- الخيانة- الفضح- الإساءة- الأذى] .

الآيات الواردة في «كتمان السر» معنى*

1-* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) «1»


2-* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) «2»


3- بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) «3»


4-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) «4»

5- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) «5»


6- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) «6»


7-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (91) «7»

8- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (34) «1»

9- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (11) «2»


10- وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) «3»


11- وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) «4»

الأحاديث الواردة في (كتمان السر)

1-* (عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» ) * «1» .

2-* (عن جابر- رضي الله عنه- عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «إذا حدّث الرّجل بالحديث ثمّ التفت فهي أمانة» ) «2» .

3-* (عن أبي بكر بن محمّد بن بكر بن حزم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحلّ لأحدهما أن يفشي علي صاحبه ما يكره» ) «3» .

4-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «المجالس بالأمانة إلّا ثلاثة: مجالس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» ) * «4» .

5-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «إنّ من أشرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة، الرّجل يفضي إلى امرأته «5» ، وتفضي إليه، ثمّ ينشر سرّها» ) «6» .

6-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- أنّه سمع عمر بن الخطّاب يحدّث حين تأيّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السّهميّ وكان من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتوفّيبالمدينة- فقال عمر بن الخطّاب.

أتيت عثمان بن عفّان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا.

قال عمر: فلقيت أبا بكر الصّدّيق فقلت: إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئا، وكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي، ثمّ خطبها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر. قلت: نعم.

قال أبو بكر: لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلّا أنّي كنت علمت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد ذكرها فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولو تركها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبلتها» ) * «1» .


7-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: كنّ أزواج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عنده، لم يغادر منهنّ واحدة فأقبلت فاطمة تمشي.

ما تخطىء مشيتها من مشية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم شيئا، فلمّا رآها رحّب بها. فقال: «مرحبا بابنتي» ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله.

ثمّ سارّها فبكت بكاء شديدا. فلمّا رأى جزعها سارّها الثّانية فضحكت. فقلت لها.

خصّك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من بين نسائه بالسّرار، ثمّ أنت تبكين، فلمّا قام رسول صلّى الله عليه وسلّم سألتها: ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالت: ما كنت أفشي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سرّه.

قالت: فلمّا توفّي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ لما حدّثتني ما قال لك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقالت: أمّا الآن فنعم.

أمّا حين سارّني في المرّة الأولى فأخبرني: «أنّ جبريل كان يعارضه القرآن في كلّ سنة مرّة أو مرّتين، وأنّه عارضه الآن مرّتين (وقال) إنّي لا أرى «2» الأجل إلّا قد اقترب، فاتّقي الله واصبري.

فإنّه نعم السّلف أنا لك» قالت: فبكيت بكائي الّذي رأيت، فلمّا رأى جزعي سارّني الثّانية فقال: يا فاطمة: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمّة؟» قالت: فضحكت ضحكي الّذي رأيت» ) * «3» .


8-* (عن ثابت عن أنس- رضي الله عنهما- قال: أتى عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- وأنا ألعب مع الغلمان- قال: فسلّم علينا، فبعثني إلى حاجة.


فأبطأت على أمّي، فلمّا جئت قالت: ما حبسك؟ قلت:

بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت:

إنّها سرّ. قالت: لا تحدّثنّ بسرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أحدا.

قال أنس: والله لو حدّثت به أحدا لحدّثتك يا ثابت) * «4» .

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (كتمان السر)

1-* (قال عليّ بن أبي طالب- رضي الله عنه-:

ولا تفش سرّك إلّا إليك ... فإنّ لكلّ نصيح نصيحا فإنّي رأيت غواة الرّجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا ) * «1» .

2-* (وقال عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-: «سرّك أسيرك، فإن تكلّمت به صرت أسيره» ) * «2» .

3-* (أسرّ معاوية- رضي الله عنه- إلى الوليد بن عتبة حديثا فقال لأبيه: يا أبتي إنّ أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك.

قال: فلا تحدّثني به، فإنّ من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه.

قال: قلت يا أبتي وإنّ هذا ليدخل بين الرّجل وبين أبيه، قال: لا، والله يا بنيّ، ولكن أحبّ أن لا تذلّل لسانك بأحاديث السّرّ، فأتيت معاوية- رضي الله عنه- فحدّثته فقال:

يا وليد أعتقك أخي من رقّ الخطإ) * «3» .

4-* (قال عمرو بن العاص- رضي الله عنه- ما وضعت سرّي عند أحد أفشاه عليّ فلمته، أنا كنت أضيق به حيث استودعته إيّاه) * «4» .

5-* (أخبر المبارك بن فضالة) عن الحسن رحمه الله- قال: سمعته يقول: «إنّ من الخيانة أن تحدّث بسرّ أخيك» ) * «5» .

6-* (عن سعيد بن المسيّب- رضي الله عنه- قال: «كتب إليّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من امرىء مسلم شرّا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرّض نفسه للتّهم فلا يلومنّ إلّا نفسه.

ومن كتم سرّه كانت الخيرة فى يده. وما كافأت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه ... » الأثر) * «6» .


7-* (قال بعض الحكماء لابنه: يا بنيّ كن جوادا بالمال في موضع الحقّ. ضنينا بالأسرار عن جميع الخلق، فإنّ أحمد جود المرء، الإنفاق في وجه البرّ، والبخل بمكتوم السّرّ) * «7» .


8-* (وقال بعض الفصحاء: ما لم تغيّبه الأضالع فهو مكشوف ضائع) * «8» .

9-* (وقد قيل: الصّبر على القبض على الجمر أيسر من الصّبر على كتمان السّرّ) * «9» .

10-* (وقيل: أكثر ما يستنزل الإنسان عن سرّه في ثلاثة مواضع: عند الاضطجاع على فراشه. وعند خلوّه بعرسه. وفي حال سكره) * «1» .

ومن أقوال الشعراء

1- قال الشّاعر:

إذا المرء أفشى سرّه بلسانه ... ولام عليه غيره فهو أحمق إذا ضاق صدر المرء عن سرّ نفسه ... فصدر الّذي يستودع السّرّ أضيق «2»

2- وقال صالح بن عبد القدّوس:

لا تذع سرّا إلى طالبه ... منك فالطّالب للسّرّ مذيع «3»

3- وقال آخر:

فلا تنطق بسرّك كلّ سرّ ... إذا ما جاوز الاثنين فاشي «4»

4- قال بعض الشّعراء:

ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... منّي الضّلوع على الأسرار والخبر لكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر «5»

5- وقال الشّاعر:

ومستودعي سرّا تضمّنت سرّه ... فأودعته من مستقرّ الحشى قبرا ولكنّني أخفيه عنّي كأنّني ... من الدّهر يوما ما أحطت به خبرا وما السّرّ في قلبي كميت بحفرة ... لأنّى أرى المدفون ينتظر النّشرا «6»

6- قال الشّاعر:

وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق 7- وقال الآخر:


ويكتم الأسرار حتّى إنّه ... ليصونها عن أن تمرّ بباله «7»

8- قال ابن المعتزّ:

ومستودعي سرّا تبوّأت كتمه ... فأودعته صدري فصار له قبرا «8»

9- وقيل:

وما السّرّ في صدري كثاو بقبره ... لأنّي أرى المقبور ينتظر النّشرا ولكنّني أنساه حتّى كأنّني ... بما كان منه لم أحط ساعة خبرا «9»

10- وقيل:

وترى الكريم إذا تصرّم وصله ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا وترى اللّئيم إذا تقضّى وصله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا «1» .

من فوائد (كتمان السر)

(1) به يتمكّن الإنسان من قضاء مصالحه، ولا يواجه بما يعوقه عنها.

(2) كتمان السّرّ لون من ألوان الأمانة، والأمانة من علامات الإيمان.

(3) كتمان السّرّ لون من الوقار والاحتشام ودليل على الرّزانة والوقار.

(4) هو فضيلة إنسانيّة بها يرتقي المرء في درجات الكمال.

(5) يوثّق صلة الإنسان بأخيه حين يحفظ أسراره.

(6) حين يثق الإنسان بأنّ صاحبه يحفظ أسراره يمهّد ذلك له استشارته فيما لا يحبّ أن يطّلع عليه النّاس.

(7) يؤدّي حفظ السّرّ إلى توثيق عرى المحبّة بين الإنسان ومن يحفظ عليه سرّه.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٩ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:١٠.
  • تم عرض هذه الصفحة ٨٬٣٢٣ مرة.