أدوات شخصية
User menu

كظم الغيظ

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


الكظم لغة

مصدر قولهم كظم يكظم وهو مشتقّ من مادّة (ك ظ م) ، الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على معنى واحد هو الإمساك والجمع للشّيء، ومن ذلك الكظم للغيظ الّذي يعني: اجتراع الغيظ والإمساك عن إبدائه، وكأنّه يجمعه الكاظم في جوفه، والكظوم:


السّكوت، والكظوم: إمساك البعير عن الجرّة، والكظم: مخرج النّفس، لأنّه كأنّه منع نفسه أن يخرج، والكظائم خروق تحفر يجري فيها الماء من بئر إلى بئر، وإنّما سمّيت كظامة لإمساكها الماء، ويقال:

كظمت الغيظ كظما وكظوما من باب ضرب، ومعناه: أمسكت على ما في نفسك منه على صفح أو غيظ. وكذلك معناه: تجرّعه واحتمل سببه وربّما قيل فيه كظمت على الغيظ، وكظمني الغيظ فأنا كظيم. ومكظوم، كما يقال:

الغيظ مكظوم، وقوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ (آل عمران/ 134) معناه: الحابسين الغيظ أي لا يجازون عليه «1» .

واصطلاحا

قال المناويّ: الكظم: الإمساك على ما في النّفس من صفح أو غيظ «2» .

الغيظ لغة

مصدر قولهم: غاظه يغيظه، وهو مأخوذ من مادّة (غ ي ظ) الّتي تدلّ على معنى واحد هو «كرب يلحق الإنسان من غيره» يقال: غاظني يغيظني، وقد غظتني يا هذا، ويقال في الوصف رجل غائظ.

وقال الجوهريّ: الغيظ: غضب كامن للعاجز، يقال غاظه فهو مغيظ، ولا يقال: أغاظه.

وقالت قتيلة بنت النّضر:

ما كان ضرّك لو مننت وربّما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق وجاء فى اللّسان: الغيظ: الغضب، وقيل هو أشدّ منه، وقيل: هو سورته وأوّله، يقال: غاظه فاغتاظ، وغيّظه فتغيّظ، والتّغيّظ والاغتياظ، وفي حديث أمّ زرع: وغيظ جارتها، لأنّها ترى من حسنها ما يغيظها، وفي الحديث: أغيظ الأسماء عند الله رجل تسمّى ب «ملك الأملاك» «3» .

واصطلاحا

قال الكفويّ: الغيظ تغيّر يلحق المغتاظ، وذلك لا يصحّ إلّا على الأجسام كالضّحك والبكاء ونحوهما «4» .

وقال المناويّ: الغيظ: أشدّ الغضب، وهو الحرارة الّتي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه، وقيل:

هو الغضب المحيط بالكبد، وهو أشدّ الحنق «1» .

كظم الغيظ اصطلاحا

لقد ذكرت كتب الاصطلاح كلّا من الغيظ والكظم على حدة، وقد تكفّل المفسّرون ببيان المراد من ذلك، فقال الطّبريّ:

الكاظمين الغيظ: يعني الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال: كظم فلان غيظه: إذا تجرّعه فحفظ نفسه أن تمضي ما هي قادرة على إمضائه باستمكانها ممّن غاظها وانتصارها ممّن ظلمها «2» .

وقال النّيسابوريّ: كظم غيظه: يعني: سكت عليه ولم يظهره لا بقول ولا بفعل، كأنّه كتمه على امتلائه وردّه في جوفه، وكفّ غضبه (الشّديد) عن الإمضاء، وهذا قسم من أقسام الصّبر والحلم «3» .

وقال القرطبيّ: كظم الغيظ: ردّه في الجوف، والسّكوت عليه وعدم إظهاره مع قدرة الكاظم على الإيقاع بعدوّه «4» .

وقال ابن عطيّة: كظم الغيظ: ردّه في الجوف إذا كاد أن يخرج من كثرته فضبطه ومنعه «5» .

الفرق بين الغيظ والغضب

قال القاضي أبو محمّد عبد الحقّ بن غالب بن عطيّة الأندلسيّ (صاحب التّفسير المشهور) : الغيظ أصل الغضب، وكثيرا ما يتلازمان، ولذلك فسّر بعض النّاس الغيظ بالغضب قال: وليس تحرير الأمر كذلك.

بل الغيظ فعل النّفس لا يظهر على الجوارح، والغضب حال لها معه ظهور في الجوارح وفعل ما لا بدّ، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله تعالى، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم. ولا يسند إليه تعالى غيظ. والكظم من أعظم العبادة وجهاد النّفس.


وقال الكفوىّ: الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه، والغيظ تغيّر يلحق المغتاظ، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالغيظ.

وقال القرطبيّ: الغيظ أصل الغضب وكثيرا ما يتلازمان، لكن فرقان ما بينهما، أنّ الغيظ لا يظهر على الجوارح بخلاف الغضب فإنّه يظهر في الجوارح، مع فعل ما ولا بدّ، ولهذا جاء إسناد الغضب إلى الله تعالى «6» .


[للاستزادة: انظر صفات: الحلم- الرفق- الصفح- العفو- اللين- قوة الإرادة- العزم والعزيمة- الرجولة- مجاهدة النفس- الصمت وحفظ اللسان.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الغضب- الحمق العنف- الطيش- البذاءة- الانتقام- العجلة- السفاهة] .

الآيات الواردة في «كظم الغيظ»

1-* وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) «1»

الآيات الواردة في «كظم الغيظ» معنى

2- وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) «2»

3- قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) «3»

4-* قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77) «4»

5- ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) «5»

الأحاديث الواردة في (كظم الغيظ)

1-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما-: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله! أيّ النّاس أحبّ إلى الله تعالى؟ وأيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أحبّ النّاس إلى الله تعالى أنفعهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله تعالى سرور يدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد- يعني مسجد المدينة- شهرا، ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتّى يتهيّأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام» ) * «1» .

2-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال:

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من جرعة أعظم أجرا عند الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابتغاء وجه الله» ) * «2» .

3-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنّه قال:

إنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقوم يصطرعون، فقال: «ما هذا؟» قالوا: فلان، ما يصارع أحدا إلّا صرعه، قال: «أفلا أدلّكم على من هو أشدّ منه؟ رجل كلّمه رجل فكظم غيظه فغلبه وغلب شيطانه وغلب شيطان صاحبه» ) * «3» .


4-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، فأومأ عبد الرّحمن بيده إلى الأرض: «من أنظر معسرا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنّم، ألا إنّ عمل الجنّة حزن «4» بربوة (ثلاثا) ، ألا إنّ عمل النّار سهل بشهوة، والسّعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحبّ إليّ من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلّا ملأ الله جوفه إيمانا» ) * «5» .


5-* (عن معاذ بن أنس عن أبيه- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله- عزّ وجلّ- على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره من الحور ما شاء» ) * «6» .

الأحاديث الواردة في (كظم الغيظ) معنى

6-* (عن أبي ذرّ- رضي الله عنه- قال: إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال لنا: إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلّا فليضطجع» ) * «1» .

7-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أوصني: قال: «لا تغضب» فردّد مرارا، قال: «لا تغضب» ) * «2» .

8-* (عن سليمان بن صرد- رضي الله عنه- أنّه قال: استبّ رجلان عند النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فجعل أحدهما تحمرّ عيناه وتنتفخ أوداجه. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي أعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الّذي يجد: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم» فقال الرّجل: وهل ترى بي من جنون) * «3» .

9-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما تعدّون الرّقوب «4» فيكم؟» قال: قلنا: الّذي لا يولد له.

قال: «ليس ذاك بالرّقوب، ولكنّه الرّجل الّذي لم يقدّم من ولده شيئا» قال: «فما تعدّون الصّرعة فيكم؟» قالوا: الّذي لا يصرعه الرّجال. قال: «ليس بذلك ولكنّه الّذي يملك نفسه عند الغضب» ) * «5» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» ) * «6» .

11-* (عن أبي برزة- رضي الله عنه- أنّه قال: كنت عند أبي بكر- رضي الله عنه- فتغيّظ على رجل فاشتدّ عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أضرب عنقه؟. قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فأرسل إليّ فقال: «ما الّذي قلت آنفا؟» .

قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: «أكنت فاعلا لو أمرتك؟» .


قلت: نعم. قال: «لا والله! ما كانت لبشر بعد محمّد صلّى الله عليه وسلّم» . قال أبو داود: هذا لفظ يزيد، قال أحمد بن حنبل: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلا إلّا بإحدى ثلاث الّتي قالها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس، وكان للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يقتل) * «7» .


12-* (قال أبو وائل القاصّ: دخلنا على عروة بن محمّد بن السّعديّ فكلّمه رجل فأغضبه، فقام فتوضّأ ثمّ رجع وقد توضّأ فقال: حدّثني أبي عنجدّي عطيّة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الغضب من الشّيطان، وإنّ الشّيطان خلق من النّار، وإنّما تطفأ النّار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ) * «1» . 13-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:


أرسل أزواج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي «2»

، فأذن لها. فقالت: يا رسول الله! إنّ أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة.

وأنا ساكتة.. قالت عائشة: فأرسل أزواج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم زينب بنت جحش، زوج النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وهي الّتي كانت تساميني منهنّ في المنزلة عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولم أر امرأة قطّ خيرا في الدّين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرّحم، وأعظم صدقة، وأشدّ ابتذالا لنفسها في العمل الّذي تصدّق به، وتقرّب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدّ «3»


كانت فيها، تسرع منها الفيئة. قالت: فاستأذنت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع عائشة في مرطها. على الحالة الّتي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فقالت: يا رسول الله! إنّ أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. قالت:

ثمّ وقعت بي فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتّى عرفت أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يكره أن أنتصر. قالت: فلمّا وقعت بها لم أنشبها «4» حين أنحيت «5»

عليها. قالت: فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتبسّم:

«إنّها ابنة أبي بكر» ) * «6» .

المثل التطبيقي من حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم في (كظم الغيظ)

14-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أنّه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعليه رداء نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه «7»

بردائه جبذة شديدة. نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أثّرت بها حاشية الرّداء من شدّة جبذته، ثمّ قال:

يا محمّد! مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فضحك ثمّ أمر له بعطاء) * «8» .

15-* (عن عائشة- رضي الله عنها- أنّها قالت: قلت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أحد؟ فقال: «لقد لقيت من قومك وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلميجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلّا بقرن الثّعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إنّ الله- عزّ وجلّ- قد سمع قول قومك لك وما ردّوا عليك.

وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم» قال: «فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثمّ قال: يا محمّد إنّ الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربّك إليك لتأمرني بأمرك. فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين» .

فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» ) * «1» .


16-* (عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: لمّا كان يوم حنين آثر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: والله! إنّ هذه القسمة ما عدل فيها وما أريد بها وجه الله.


فقلت: والله لأخبرنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. فأتيته فأخبرته. فقال:

«فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى.

فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ) * «2» .

من الآثار الواردة في (كظم الغيظ)

1-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه:

من اتّقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون) * «3» .

2-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال:

«قدم عيينة بن حصن بن حذيفة على ابن أخيه الحرّ بن قيس، وكان من النّفر الّذين يدنيهم عمر، وكان القرّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا أو شبّانا فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، فاستأذن الحرّ لعيينة، فأذن له عمر، فلمّا دخل عليه قال: هي يا ابن الخطّاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتّى همّ به، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين، إنّ الله تعالى قال لنبيّه صلّى الله عليه وسلّم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف/ 199) وإنّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله» ) * «4» .

4-* (جاء غلام لأبي ذرّ- رضي الله عنه- وقد كسر رجل شاة له فقال له: من كسر رجل هذه؟ قال: أنا فعلته عمدا لأغيظك فتضربني فتأثم. فقال:

لأغيظنّ من حرّضك على غيظي، فأعتقه) * «1» .

5-* (شتم رجل عديّ بن حاتم وهو ساكت، فلمّا فرغ من مقالته قال: إن كان بقي عندك شيء فقل قبل أن يأتي شباب الحيّ، فإنّهم إن سمعوك تقول هذا لسيّدهم لم يرضوا) * «2» .

6-* (قال محمّد بن كعب- رحمه الله تعالى-:

ثلاث من كنّ فيه استكمل الإيمان بالله: إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحقّ، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له) * «3» .

7-* (قال رجل لوهب بن منبّه- رحمه الله تعالى-: «إنّ فلانا شتمك، فقال: ما وجد الشّيطان بريدا غيرك!» ) * «4» .

8-* (أمر عمر بن عبد العزيز بضرب رجل ثمّ قرأ قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لغلامه: خلّ عنه) * «5» .

9-* (قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: إنّ كظم الغيظ يحتاج إليه الإنسان إذا هاج غيظه ويحتاج فيه إلى مجاهدة شديدة، ولكن إذا تعوّد ذلك مدّة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ، وإن هاج فلا يكون في كظمه تعب وحينئذ يوصف بالحلم) * «6» .

10-* (قال ابن قدامة المقدسيّ- رحمه الله-: الكاظم إذا كظم لعجز عن التّشفّي في الحال رجع إلى الباطن، فاحتقن فيه فصار حقدا وعلامة ذلك دوام بغض الشّخص، واستثقاله والنّفور منه) * «7» .

11-* (وذكر ابن كثير- رحمه الله- من صفات أصحاب الجنّة عند تفسير قوله تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ إلى قوله:

وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ فقال: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه وعفوا مع ذلك عمّن أساء إليهم) * «8» .

12-* (ذكر ابن كثير في سيرة عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- أنّ رجلا كلّمه يوما حتّى أغضبه فهمّ به عمر ثمّ أمسك نفسه ثمّ قال للرّجل:

أردت أن يستفزّني الشّيطان بعزّة السّلطان فأنال منك ما تناله منّي غدا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك) * «9» .

من فوائد (كظم الغيظ)

1- كظم الغيظ دليل قوّة النّفس وقهر شهوة الغضب.

2- كظم الغيظ دليل تقوى الله وإيثار وعده بالجنّة.

3- كاظم الغيظ يأمنه النّاس فيألفونه ويقتربون منه ولا يتحاشونه.

4- كظم الغيظ يشيع بين النّاس جوّ الصّفاء والوداد والحبّ والإخاء.

5- كظم الغيظ دليل الصّبر والعفو.

6- فيه عظم الثّواب يوم العرض على ربّ الأرباب.

7- الجزاء من جنس العمل، من ضيّق على نفسه حين الغضب وسّع الله في ثوابه.

8- من كظم غيظا ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة

9- كظم الغيظ عاقبته سكن الإيمان في النّفس.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٩ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:٥٦.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٥٣٢ مرة.