أدوات شخصية
User menu

محاسبة النفس

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المحاسبة لغة

مصدر حاسب يحاسب، وهو مأخوذ من مادّة (ح س ب) الّتي تدلّ على العدّ، تقول: حسبت الشّيء أحسبه حسبا وحسبانا، وحسابا وحسابة إذا عددته، والمعدود: محسوب وحسب أيضا والأخير فعل بمعنى مفعول، ومنه قولهم: ليكن عملك بحسب ذلك أي على قدره وعدده، وحاسبته من المحاسبة، واحتسبت عليه كذا: إذا أنكرته عليه، وشيء حساب أي كاف، ومنه قوله تعالى: عَطاءً حِساباً (النبأ/ 36) أي كافيا، وقول الله تعالى: فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً (الطلاق/ 8) .

إشارة إلى نحو ما روي «من نوقش في الحساب معذّب» والحسيب والمحاسب: من يحاسبك، ثمّ عبّر به عن المكافىء في الحساب. وفي قول الله تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (البقرة/ 212) أوجه عديدة منها: أنّه يعطي المؤمن ولا يحاسبه عليه، ووجه ذلك أنّ المؤمن لا يأخذ من الدّنيا إلّا قدر ما يجب، وكما يجب، وفي وقت ما يجب، ولا ينفق إلّا كذلك، ويحاسب نفسه فلا يحاسبه الله حسابا يضرّه كما روي: من حاسب نفسه في الدّنيا لم يحاسبه الله يوم القيامة.

وقال ابن منظور: الحساب والمحاسبة: عدّك الشّيء، وحسب الشّيء يحسبه، بالضّمّ، حسبا وحسابا وحسابة:

عدّه. وحاسبه: من المحاسبة. ورجل حاسب من قوم حسّب وحسّاب. وقوله تعالى: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، أي حسابه واقع لا محالة، وكلّ واقع فهو سريع، وسرعة حساب الله، أنّه لا يشغله حساب واحد عن محاسبة الآخر، وقوله- عزّ وجلّ-: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (الإسراء/ 14) ، أي كفى بك لنفسك محاسبا «1» .

النفس لغة واصطلاحا

(انظر مجاهدة النفس)

المحاسبة اصطلاحا

قال المناويّ: المحاسبة: هي استيفاء الأعداد فيما للمرء أو عليه «2» .

محاسبة النفس اصطلاحا

قال الإمام الماورديّ: محاسبة النّفس: أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره فإن كان محمودا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كانمذموما استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله فى المستقبل «1» .

أهمية محاسبة النفس

قال الغزاليّ- رحمه الله-: اعلم أنّ مطالب المتعاملين في التّجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الرّبح، وكما أنّ التّاجر يستعين بشريكه فيسلّم إليه المال حتّى يتّجر ثمّ يحاسبه، فكذلك العقل هو التّاجر في طريق الآخرة وإنّما مطلبه وربحه تزكية النّفس لأنّ بذلك فلاحها، قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس/ 9- 10) وإنّما فلاحها بالأعمال الصّالحة.

والعقل يستعين بالنّفس في هذه التّجارة إذ يستعملها ويستسخرها فيما يزكّيها كما يستعين التّاجر بشريكه وغلامه الّذي يتّجر في ماله، وكما أنّ الشّريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الرّبح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلا ويراقبه ثانيا، ويحاسبه ثالثا، ويعاقبه أو يعاتبه رابعا؛ العقل يحتاج إلى مشارطة النّفس أوّلا فيوظّف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشّروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطّرق، ثمّ لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنّه لو أهملها لم ير منها إلّا الخيانة وتضييع رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال.

ثمّ بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشّهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النّفس أهمّ كثيرا من تدقيقه في أرباح الدّنيا مع أنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى، ثمّ كيفما كانت فمصيرها إلى التّصرّم والانقضاء، ولا خير في خير لا يدوم، بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم، لأنّ الشّرّ الّذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائما وقد انقضى الشّرّ، والخير الّذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائما، وقد انقضى الخير.

ولذلك قيل:

أشدّ الغمّ عندي في سرور ... تيقّن عنه صاحبه انتقالا فحتم على ذي حزم آمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتّضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها، فإنّ كلّ نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقباض هذه الأنفاس- ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك- خسران عظيم هائل، لا تسمح به نفس عاقل.

فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصّبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النّفس كما أنّ التّاجر عند تسليم البضاعة إلى الشّريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته.

فيقول للنّفس: مالي بضاعة إلّا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التّجارة وطلب الرّبح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلنيالله فيه، وأنسأ في أجلي وأنعم عليّ به، ولو توفّاني لكنت أتمنّى أن يرجعني إلى الدّنيا يوما واحدا حتّى أعمل فيه صالحا، فاحسبي أنّك قد توفّيت، ثمّ قد رددت فإيّاك ثمّ إيّاك أن تضيّعي هذا اليوم، فإنّ كلّ نفس من الأنفاس جوهرة لها قيمة «1» .

محاسبة النفس نوعان

نوع قبل العمل، ونوع بعده.

فأمّا النّوع الأوّل: فهو أن يقف عند أوّل همّه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتّى يتبيّن له رجحانه على تركه.

قال الحسن- رحمه الله-: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخّر.

النّوع الثّاني: محاسبة النّفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها: محاسبتها على طاعة قصّرت فيها من حقّ الله تعالى؛ فلم توقعها على الوجه الّذي ينبغي.

وحقّ الله تعالى في الطّاعة ستّة أمور وهي: الإخلاص في العمل، والنّصيحة لله فيه، ومتابعة الرّسول فيه، وحصول المراقبة فيه، وشهود منّة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كلّه. فيحاسب نفسه: هل وفّى هذه المقامات حقّها، وهل أتى بها في هذه الطّاعة.

الثّاني: أن يحاسب نفسه على كلّ عمل كان تركه خيرا له من فعله.

الثّالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدّار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدّنيا وعاجلها؛ فيخسر ذلك الرّبح ويفوته الظّفر به «2» .

وقال الغزاليّ في بيان حقيقة المحاسبة بعد العمل: اعلم أنّ العبد كما يكون له وقت في أوّل النّهار يشارط فيه نفسه على سبيل التّوصية بالحقّ فينبغي أن يكون له في آخر النّهار ساعة يطالب فيها النّفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التّجّار في الدّنيا مع الشّركاء في آخر كلّ سنة أو شهر أو يوم، حرصا منهم على الدّنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته! ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلّا أيّاما قلائل، فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلّق به خطر الشّقاوة والسّعادة أبد الآباد؟ ما هذه المساهلة إلّا عن الغفلة والخذلان وقلّة التّوفيق- نعوذ بالله من ذلك- «3» .

أركان المحاسبة

قال ابن القيّم- رحمه الله-: قال صاحب المنازل: المحاسبة أركان ثلاثة:

أحدها: أن تقايس بين نعمتك وجنايتك يعنى أن تقايس بين ما من الله وما منك، فحينئذ يظهر لك التّفاوت، ومعلوم أنّه ليس إلّا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطب وبهذه المقايسة تعلم حقيقة النّفس وصفاتها وعظمة جلال الرّبوبيّة وتفرّد الرّبّ بالكمال والإفضال وأنّ كلّ نعمة منه فضل، وكلّ نقمة منه عدل. ثمّتقايس بين الحسنات والسّيّئات، فتعلم بهذه المقايسة أيّهما أكثر وأرجح قدرا وصفة.


وثانى هذه الأركان: أن تميّز ما للحقّ عليك من وجوب العبوديّة والتزام الطّاعة واجتناب المعصية وبين مالك وما عليك، فالّذي لك هو المباح الشّرعيّ، فعليك حقّ ولك حقّ، فأدّ ما عليك يؤتك مالك.


الثّالث: أن تعرف أنّ كلّ طاعة رضيتها منك فهي عليك، وكلّ معصية عيّرت بها أخاك فهي إليك؛ لأنّ رضاء العبد بطاعته دليل على حسن ظنّه بنفسه، وجهله بحقوق العبوديّة، وعدم عمله بما يستحقّه الرّبّ- جلّ جلاله- ويليق أن يعامل به «1» .

[للاستزادة: انظر صفات: مجاهدة النفس- التقوى- المراقبة- الورع- الوقاية- الرجولة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- الإهمال- التفريط والإفراط- الغلول- التهاون] .

الآيات الواردة في «محاسبة النفس» معنى

1- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (18) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (19) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (20) «2»

الأحاديث الواردة في (محاسبة النفس) معنى

1-* (عن ابن شماسة المهريّ قال: حضرنا عمرو بن العاص- رضي الله عنه- وهو في سياقة الموت فبكى طويلا، وحوّل وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول:

يا أبتاه، أما بشّرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكذا؟ أما بشّرك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بكذا؟ قال فأقبل بوجهه فقال: إنّ أفضل ما نعدّ شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، إنّي كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشدّ بغضا لرسول الله منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته.

فلو متّ على تلك الحال لكنت من أهل النّار. فلمّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال فقبضت يدي، قال:

«مالك يا عمرو؟» . قال: قلت أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله؟» وما كان أحد أحبّ إليّ من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عينيّ منه إجلالا له.

ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأنّي لم أكن أملأ عينيّ منه.

ولو متّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنّة. ثمّ ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها.

فإذا أنا متّ فلا تصحبني نائحة ولا نار. فإذا دفنتموني فشنّوا عليّ التّراب شنّا ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور «1» ويقسم لحمها. حتّى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربّي) * «2» .

2-* (عن حنظلة الأسيديّ- رضي الله عنه- وكان من كتّاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- قال: لقينى أبوبكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة.

قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يذكّرنا بالنّار والجنّة.

حتّى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عافسنا «3» الأزواج والأولاد والضّيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر:

فو الله، إنّا لنلقى مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتّى دخلنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قلت: نافق حنظلة، يا رسول الله، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «وما ذاك؟» .

قلت: يا رسول الله، نكون عندك. تذكّرنا بالنّار والجنّة، حتّى كأنّا رأي عين. فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، نسينا كثيرا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «والّذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذّكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، (ساعة وساعة) » ثلاث مرّات) * «4» .


3-* (عن شدّاد بن أوس عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:

«الكيّس من دان نفسه «5» وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله» ) * «6» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (محاسبة النفس)

1-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا. فإنّه أهون عليكم في الحساب غدا، أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزيّنوا للعرض الأكبر يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (الحاقة/ 18)) * «1» .


2-* (كتب عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- إلى بعض عمّاله، فكان في آخر كتابه: «أن حاسب نفسك في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة؛ فإنّه من حاسب نفسه في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة، عاد مرجعه إلى الرّضى والغبطة.

ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى النّدامة، والحسرة. فتذكّر ما توعظ به، لكيما تنتهي، عمّا ينهى عنه، وتكون عند التّذكرة والعظة من أولي النّهى» ) * «2» .


3-* (قال أنس بن مالك- رضي الله عنه- سمعت عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- يوما، وقد خرجت معه، حتّى دخل حائطا فسمعته يقول، وبيني وبينه جدار، وهو في جوف الحائط: عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين بخ، والله لتتّقينّ الله ابن الخطّاب، أو ليعذّبنّك) * «3» .

4-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه- لفضيل بن زيد الرّقاشيّ: لا يلهينّك النّاس عن ذات نفسك فإنّ الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع النّهار بكيت وكيت، فإنّه محفوظ عليك ما قلته، ولم تر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم) * «4» ..


5-* (عن سلمة بن منصور عن مولى لهم كان يصحب الأحنف بن قيس، قال: كنت أصحبه، فكان عامّة صلاته الدّعاء، وكان يجيء المصباح، فيضع أصبعه فيه، ثمّ يقول: حسّ «5» ، ثمّ يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا، ما حملك على ما صنعت يوم كذا) * «6» .

6-* (قال إبراهيم التّيميّ: مثّلت نفسي في الجنّة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثمّ مثّلت نفسي في النّار آكل من زقّومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها، وأغلالها، فقلت لنفسي: أي نفسي، أيّ شيء تريدين؟ قالت:

أريد أن أردّ إلى الدّنيا، فأعمل صالحا، قال: قلت:

فأنت في الأمنيّة، فاعملي) * «7» .

7-* (قال الحسن- رحمه الله-: «إنّ العبد لايزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّته) * «1» .

8-* (وقال- رحمه الله-: المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنّما خفّ الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدّنيا، وإنّما شقّ الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.

إنّ المؤمن يفاجئه الشّيء ويعجبه، فيقول: والله إنّي لأشتهيك. وإنّك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات.

حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشّيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ مالي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إنّ المؤمنين قوم أوقفهم القرآن، وحال بينهم وبين هلكتهم، إنّ المؤمن أسير في الدّنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتّى يلقى الله؛ يعلم أنّه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كلّه) * «2» .

9-* (قال مالك بن دينار- رحمه الله-:

رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثمّ زمّها، ثمّ خطمها، ثمّ ألزمها كتاب الله- عزّ وجلّ- فكان لها قائدا) * «3» .

10-* (عن الحسن- رحمه الله-: وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (القيامة/ 2) قال: لا تلقى المؤمن إلّا يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي، ماذا أردت بأكلتي) * «4» .

11-* (عن وهب بن منبّه، قال: مكتوب في حكمة آل داود: حقّ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات:

ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الّذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه، وبين لذّاتها، فيما يحلّ ويحمد، فإنّ في هذه السّاعة عونا على تلك السّاعات، وإجماما للقلوب «5» .

وحقّ على العاقل أن لا يرى ظاعنا إلّا في ثلاث: زاد لميعاد، أو مرمّة «6» لمعاش، أو لذّة في غير محرّم.

وحقّ على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه) * «7» .

12-* (عن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرّجل تقيّا حتّى يكون لنفسه أشدّ محاسبة من الشّريك لشريكه) * «8» .

13-* (قال الغزاليّ- رحمه الله-: عرف أرباب البصائر من جملة العباد أنّ الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنّهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذّرّ من الخطرات واللّحظات، وتحقّقوا أنّه لاينجيهم من هذه الأخطار إلّا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النّفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللّحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه وحضر عند السّؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيّئاته، فلمّا انكشف لهم ذلك علموا أنّه لا ينجيهم منه إلّا طاعة الله وقد أمرهم بالصّبر والمرابطة فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا آل عمران/ 200) فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة، ثمّ بالمراقبة، ثمّ بالمحاسبة، ثمّ بالمعاقبة، ثمّ بالمجاهدة.

ثمّ بالمعاتبة. فكانت لهم في المرابطة ستّة مقامات، ولا بدّ من شرحها وبيان حقيقتها وفضيلتها وتفصيل الأعمال فيها وأصل ذلك المحاسبة، ولكن كلّ حساب فبعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة) * «1» .


14-* (قال ابن القيّم- رحمه الله-: قد دلّ على وجوب محاسبة النّفس قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ (الحشر/ 18) يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصّالحات الّتي تنجيه، أم من السّيّئات الّتي توبقه؟.

قال قتادة: ما زال ربّكم يقرّب السّاعة حتّى جعلها كغد.

والمقصود أنّ صلاح القلب بمحاسبة النّفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها) * «2» .

15-* (عن ابن أبي مليكة قال: دخلنا على ابن عبّاس- رضي الله عنه- فقال: ألا تعجبون لابن الزّبير قام فى أمره هذا، فقلت: لأحاسبنّ نفسي له، ما حاسبتها لأبي بكر ولا لعمر ... الأثر) * «3» .

من فوائد (محاسبة النفس)

(1) تحقيق السّعادة في الدّارين.

(2) تثمر محبّة الله ورضوانه.

(3) دليل على صلاح الإنسان.

(4) البعد عن مزالق الشّيطان.

(5) دليل على الخوف من الله، ومن خاف من الله بلغ المنزلة.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٢٧ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٨:٤٢.
  • تم عرض هذه الصفحة ٣٬١٠٨ مرات.