أدوات شخصية
User menu

معرفة الله- عزّ وجلّ

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


المعرفة لغة

مصدر قولهم: عرف الشّيء يعرفه، وهي مأخوذة من مادّة (ع ر ف) الّتي تدلّ على السّكون والطّمأنينة، يقول ابن فارس: العين والرّاء والفاء أصلان «1» صحيحان يدلّ أحدهما على تتابع الشّيء الشّيء متّصلا بعضه ببعض، والآخر على السّكون والطّمأنينة، ومن الأصل الأوّل: عرف الفرس لتتابع الشّعر عليه، وجاءت القطا عرفا عرفا أي بعضها خلف بعض، والأصل الآخر، المعرفة والعرفان، تقول: عرف فلان فلانا عرفانا ومعرفة، وهذا أمر معروف لأنّ من عرف شيئا سكن إليه ومن أنكره توحّش منه ونبا عنه «2» ، وقال الخليل: ونفس عروف، إذا حملت على أمر بسأت به أي اطمأنّت، قال الشّاعر:

فآبوا بالنّساء مردّفات ... عوارف بعد كنّ واتّجاح «3» .

والعرف: ريح طيّب، تقول: ما أطيب عرفه، وقال الله عزّ وجلّ: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (محمد/ 6) أي طيّبها «4» ، قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما-: المعنى في الآية الكريمة: طيّبها لهم بأنواع الملاذّ، وقيل: المعنى: إذا دخلوها يقال لهم: تفرّقوا إلى منازلكم، فهم أعرف بمنازلهم من أهل الجمعة إذا انصرفوا إلى منازلهم «5» .

وقال الرّاغب: المعرفة (كالعرفان) من قولهم:

عرفت الشّيء أي أصبت عرفه أي رائحته أو حدّه «6» ، وقال الفيروزاباديّ: يقال: عرفه يعرفه إذا علمه (علما خاصّا) ، أي أدركه بتفكّر وتدبّر لأثره، قال: وهي أخصّ من العلم، يقال: فلان يعرف الله ولا يقال:

يعلم الله لأنّ معرفة البشر لله تعالى هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته، ويقال: الله يعلم كذا، ولا يقال: يعرف كذا لأنّ المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصّل إليه بتفكّر وتدبّر «7» .

ويرادف المعرفة العرفان والعرفة، قال في القاموس: يقال: عرفه يعرفه معرفة وعرفانا وعرفة (بالكسر) ، وعرفّانا، والوصف من ذلك عارفوعريف وعروفة «1» ، قال الجوهريّ: (ومن معاني) العارف:

الصّبور، يقال: أصيب فلان فوجد عارفا، والعروف مثله، قال عنترة:

فصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلّع وقولهم: رجل عروفة بالأمور أي عارف بها، والهاء للمبالغة، والعارف والعريف بمعنى، وأنشد الأخفش لطريف بن عمرو الغنويّ:

أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم والتّعريف: الإعلام، والتّعريف: إنشاد الدّابّة، والتّعريف: التّطييب (من العرف) ، والتّعريف:

الوقوف بعرفات، والعرّاف: الكاهن، والعرّاف:

الطّبيب «2» ، وقولهم: أمر عريف وعارف أي معروف (فعيل بمعنى مفعول) ، ويقال: أعرف فلان فلانا وعرّفه: وقّفه على ذنبه، ثمّ عفا عنه، وعرّفه الأمر:

أعلمه إيّاه، وعرّفه بيته: أعلمه بمكانه، وعرّفه به: وسمه (أي وصفه له) . قال سيبويه: وأمّا عرّفته بزيد فإنّما عرّفته بهذه العلامة وأوضحته بها، وقولهم: اعترف القوم: سألهم، وقيل: سألهم عن خبر ليعرفه، وربّما وضعوا عرف موضع اعترف، كما وضعوا اعترف موضع عرف، وقولهم: تعرّفت ما عند فلان، أي تطلّبت حتّى عرفت، وتقول: ائت فلانا فاستعرف إليه حتّى يعرفك، وتعارف القوم: عرف بعضهم بعضا «3» ، وجاء في حديث ابن مسعود: « ... فيقال لهم: هل تعرفون ربّكم؟ فيقولون: إذا اعترف لنا عرفناه» قال ابن الأثير: أي إذا وصف نفسه بصفة نحقّقه بها عرفناه «4» ، وقول الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ (البقرة/ 146) الضّمير في «يعرفونه» يرجع إلى محمّد صلّى الله عليه وسلّم والمعنى أنّهم يعرفون نبوّته وصدق رسالته «5» ، أمّا قوله سبحانه: يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (النحل/ 83) النّعمة هي نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وإنكارها تكذيبه، وقيل:

يعرفون نعمة الله بتقلّبهم فيها، وينكرونها بترك الشّكر عليها «6» ، وقال ابن كثير:

(المعنى) يعرفون أنّ الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك (الفضل) وهو المتفضّل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون الرّزق والنّصر لسواه «7» .

لفظ الجلالة لغة

اختلف اللّغويّون في لفظ الجلالة «الله» فقال بعضهم إنّه علم غير مشتقّ، وهو اسم موضوع هكذا «الله» وليس أصله «إلاه» وليس من الأسماء الّتي يجوز فيها اشتقاق فعل، كما يجوز في الرّحمن الرّحيم.

وقيل إنّه مشتقّ، وأصله إلاه، ثمّ دخلت عليه الألف واللّام، فقيل الإلاه، ثمّ حذفت همزته تخفيفا لكثرة الاستعمال، وأدغم اللّامان «1» مع التّفخيم، ولكنّ اللّام ترقّق إذا كسر ما قبلها.

وقال الغزاليّ: فأمّا قوله «الله» «2» . فهو اسم للموجود الحقّ، الجامع لصفات الإلهيّة، المنعوت بنعوت الرّبوبيّة، المتفرّد بالوجود الحقيقيّ، فإنّ كلّ موجود سواه غير مستحقّ الوجود بذاته، وإنّما استفاد الوجود منه- سبحانه- وكلّ ما عداه من حيث ذاته هالك، ومن الجهة الّتي تليه موجود، فكلّ موجود هالك إلّا وجهه، والأشبه أنّه جار في الدّلالة على هذا المعنى مجرى أسماء الأعلام، وكلّ ما ذكر في اشتقاقه وتعريفه تعسّف وتكلّف «3» .

وقال السّفارينيّ: «الله» علم للذّات الواجب الوجود لذاته، المستحقّ لجميع الكمالات، وهو مشتق عند سيبويه، واشتقاقه من أله (على وزن فعل) إذا تحيّر، لتحيّر الخلق في كنه ذاته تعالى وتقدّس. وقيل:


من لاه يليه إذا علا، أو من لاه يلوه، إذا احتجب، وهذا الاسم عربيّ عند الأكثر، وزعم بعضهم أنّه معرّب، فقيل عبريّ وقيل سوريانيّ، قالى السّفارينيّ: والقول بأنّه معرّب ساقط لا يلتفت إليه «4» .

وقولهم «اللهمّ» معناه: يا ألله وهذه الميم المشدّدة عوض من «يا» (الّتي للنّداء) ، لأنّهم لم يجدوا «يا» مع هذه الميم في كلمة واحدة، ووجدوا اسم الله مستعملا ب «يا» إذا لم يذكروا الميم في آخر الكلمة، فعلموا أنّ الميم في آخر الكلمة بمنزلة «يا» في أوّلها، والضّمة الّتي هي في الهاء هي ضمّة الاسم المنادى المفرد، والميم مفتوحة لسكونها وسكون الميم قبلها «5» ، ومن العرب من يقول إذا طرح الميم: يا ألله اغفر لي (بهمزة) ، ومنهم من يقول: يا الله (بغير همز) ، فمن حذف الهمزة فهو على السّبيل (المعتاد) في حذف الهمزة مع ياء النّداء، ومن همزها فعلى توهّم أصالتها نظرا لعدم سقوطها (في غير النّداء) «6» .

المعرفة اصطلاحا

قال الكفويّ: المعرفة هي الإدراك المسبوق بالعدم، وتقال أيضا لثاني الإدراكين إذا تخلّلهما عدم، ولإدراك الأمر الجزئيّ أو البسيط «7» .

وقال الجرجانيّ: المعرفة إدراك الشّيء على ما هو عليه، وهي مسبوقة بنسيان حاصل بعد العلم، ولذلك يسمّى الحقّ تعالى بالعالم دون العارف «8» .

وقال صاحب التّوقيف (بعد أن ذكر تعريفالجرجانيّ) : المعرفة عند القوم سموّ اليقين، وقيل: سقوط الوهم لوضوح الاسم «1» .

وقال الفيروزاباديّ: المعرفة إدراك الشّيء بتفكّر وتدبّر لأثره، يقال: فلان يعرف الله، لأنّ معرفة البشر لله إنّما هي بتدبّر آثاره دون إدراك ذاته، وهي أخصّ من العلم «2» .

الفرق بين المعرفة والعلم

قال الفيروزاباديّ: الفرق بين المعرفة والعلم من وجوه لفظا ومعنى، أمّا من جهة اللّفظ ففعل المعرفة (عرف- يعرف ... ) يتعدّى لمفعول واحد، تقول عرفت زيدا، وفعل العلم (علم- يعلم ... ) يتعدّى لمفعولين، كما في قولك علمته مؤمنا، وإذا تعدّى لمفعول واحد كان بمعنى المعرفة كقولك: هذا أمر لا تعلمه أي لا تعرفه «3» .

أمّا الفرق من جهة المعنى فمن وجوه

الأوّل: المعرفة تتعلّق بذات الشّيء، والعلم يتعلّق بأحواله ولذلك جاء الأمر في القرآن بالعلم دون المعرفة، وذلك كما في قوله سبحانه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ (محمد/ 19) .

الثّاني: المعرفة في الغالب تكون لما غاب عن القلب بعد إدراكه فإذا أدركه قيل: عرفه وذلك كما في قوله تعالى: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (يوسف/ 58) ، والمعرفة على هذا نسبة الذّكر النّفسيّ وهو حضور ما كان غائبا عن الذّاكر، ولذا فإنّ ضدّ المعرفة الإنكار وضدّ العلم الجهل.

الثّالث: أنّ المعرفة تفيد تمييز المعروف عن غيره، والعلم يفيد تمييز ما يوصف به عن غيره، ذلك أنّ التّمييز الحاصل عن المعرفة يرجع إلى إدراك الذّات وإدراك صفاتها، أمّا تمييز العلم فإنّه يرجع إلى تخليص الذّات وتخليص صفاتها من غيرها «4» .

الرّابع: المعرفة علم بعين الشّيء مفصّلا عمّا سواه، بخلاف العلم فإنّه قد يتعلّق بالشّيء مجملا «5» .

الخامس: وأضاف الكفويّ إلى ذلك فرقا آخر هو أنّ العلم أعمّ من المعرفة، فالمعرفة تقال فيما لا يعرف إلّا كونه موجودا فقط، والعلم يقال في ذلك وفي غيره «6» .

لفظ الجلالة اصطلاحا: «الله»

قال الغزاليّ: هو الاسم الدّالّ على الذّات الجامعة لصفات الإلهيّة كلّها حتّى لا يشذّ منها شيء،وسائر الأسماء لا يدلّ آحادها إلّا على آحاد المعاني، من علم وقدرة أو فعل أو غير ذلك، وهو أخصّ أسمائه تعالى، إذ لا يطلقه أحد على غيره لا حقيقة ولا مجازا، وسائر الأسماء قد يسمّى بها غيره، ولهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء «1» .

وقال السّفارينيّ: وهو (أي لفظ الجلالة) الاسم الأعظم عند أكثر أهل العلم، وعدم الإجابة لأكثر النّاس مع الدّعاء به لتخلّف بعض شروطه الّتي من أهمّها الإخلاص وأكل الحلال، وقد قدّم على الرّحمن الرّحيم (في البسملة) لأنّه اسم ذات في الأصل، وهما اسما صفة في الأصل والذّات متقدّمة على الصّفة «2» .

وقال مؤلّفو المعجم الكبير: الله: علم على الإله المعبود بحقّ، الجامع لكلّ صفات الكمال، وتفرّد سبحانه بهذا الاسم فلا يشركه فيه غيره «3» .

معرفة الله عزّ وجلّ اصطلاحا

قال الكفويّ: المعرفة في اصطلاحهم: هي معرفة الله عزّ وجلّ بلا كيف ولا تشبيه «4» .

وقال بعضهم: معرفة الله عزّ وجلّ هي ثمرة التّوحيد، والمراد بها: معرفته عزّ وجلّ بصفاته الواجبة له مع تننزيهه عمّا يستحيل اتّصافه به، معرفة صحيحة ناشئة عن الأدلّة اليقينيّة «5» .

حكم معرفة الله عزّ وجلّ

قال الكفويّ: معرفة الله عزّ وجلّ بالدّليل الإجماليّ فرض عين لا مخرج عنه لأحد من المكلّفين، وهي بالتّفصيل فرض كفاية لا بدّ أن يقوم به البعض «6» .

تفاضل الناس في المعرفة:

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: أصل التّفاضل بين النّاس إنّما هو بمعرفة الله ومحبّته.

وإذا كانوا يتفاضلون فيما يعرفونه من المعروفات، وإذا كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم والتّصديق بهم، فتفاضلون في معرفة الله وصفاته والتّصديق به أعظم، وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها، والتّصديق بها، أو في معرفة الجنّ وصفاتهم وفي التّصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من النّعيم والعذاب، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته (أعظم) ، بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها، وصحّتها ومرضها، وما يتبع ذلك فتفاضلهم في معرفة الله تعالى أعظم وأعظم، إنّ كلّ ما يعلم ويقال يدخل في معرفة الله تعالى، إذلا موجود إلّا وهو خلقه وكلّ ما في المخلوقات من الصّفات والأسماء والأقدار والأفعال شواهد ودلائل على ما لله سبحانه من الأسماء الحسنى والصّفات العلى، وكلّكمال في المخلوقات من أثر كماله، وكلّ كمال ثبت لمخلوق فالخالق أحقّ به، وكلّ نقص تنزّه عنه مخلوق فالخالق أحقّ بتنزيهه عنه، لقد ثبت في الحديث الشّريف أنّ لله أسماء استأثر بها «1» في علم الغيب عنده، وأسماء الله متضمّنة لصفاته، وليست أسماء أعلام محضة، وإذا كان من أسمائه ما اختصّ هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خصّ به ما شاء من عباده، علم أنّ تفاضل النّاس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كلّ ما يعرفونه «2» .


طرق المعرفة بالله عزّ وجلّ

قال ابن القيّم: الرّبّ تعالى يدعو عباده في القرآن الكريم إلى معرفته من طريقين:

أحدهما: النّظر في مفعولاته.

والثّاني: التّفكّر في آياته وتدبّرها، فتلك «3» وهذه آياته المسموعة المعقولة.

فالنّوع الأوّل كقوله سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ (البقرة/ 164) ، وقوله عزّ من قائل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (آل عمران/ 190) . ومثل هذا كثير في القرآن «4» .

الثّاني: كقوله سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (النساء/ 82) .

وقوله عزّ من قائل: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ (المؤمنون/ 68) ، وقوله سبحانه: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ (ص/ 29) وهو كثير أيضا «5» .

فأمّا المفعولات فإنّها دالّة على الأفعال، والأفعال دالّة على الصّفات، فإنّ المفعول يدلّ على فاعل فعله، وذلك يستلزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لاستحالة صدور الفعل الاختياريّ من معدوم، أو موجود لا قدرة له ولا حياة، ولا علم ولا إرادة، ثمّ ما في المفعولات من التّخصيصات المتنوّعة دالّ على إرادة الفاعل، وأنّ فعله ليس بالطّبع بحيث يكون واحدا غير متكرّر، وما فيها «6» من المصالح والحكم والغايات المحمودة دالّ على حكمته تعالى، وما فيها من النّفع والإحسان والخير دالّ على رحمته، وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دالّ على غضبه، وما فيها من الإكرام والتّقريب والعناية دالّ على محبّته، وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دالّ على بغضه ومقته، وما فيها من ابتداء الشّيء في غاية النّقص والضّعف ثمّ سوقه إلى تمامه ونهايته دالّ على وقوع المعاد، وما فيها من أحوال النّبات والحيوان (وتصريف الرّياح والسّحاب والمياه)

دليل على إمكان المعاد، وما فيها من ظهور آثار الرّحمة والنّعمة على خلقه دليل على صحّة النّبوّات، وما فيها من الكمالات الّتي لو عدمتها كانت ناقصة دليل على أنّ معطي تلك الكمالات أحقّ بها، فمفعولاته من أدلّ شيء على صفاته، وصدق ما أخبرت به رسله عنه، وهي شاهدة تصدّق الآيات المسموعات، ومنبّهة على الاستدلال بالآيات المصنوعات قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ (فصلت/ 53) ، أي إنّ القرآن حقّ، وقد أخبر سبحانه أنّه لا بدّ أن يريهم من آياته المشهودة ما يبيّن لهم أنّ آياته المتلوّة حقّ، ثمّ أخبر بكفاية شهادته على صحّة خبره بما أقام من الدّلائل والبراهين على صدق رسوله، فآياته (الكونيّة) شاهدة بصدقه وهو (أي القرآن) شاهد بصدق رسوله بآياته (المتلوّة) ، فهو عزّ وجلّ الشّاهد والمشهود له، وهو الدّليل والمدلول عليه، وهو سبحانه أعرف من كلّ معروف، وأبين من كلّ دليل، فالأشياء عرفت به في الحقيقة، وإن كان عرف بها في النّظر والاستدلال «1» .


[للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- الإسلام الحكمة- العلم- الفطنة- النظر والتبصر- البصيرة- التدبر- العبادة- التفكر- التذكر- التأمل- الفقه.


وفي ضد ذلك: انظر صفات: الجهل- السفاهة- الكفر- الإعراض- البلادة والغباء- الضلال- الغي والإغواء- نكران الجميل- اتباع الهوى- التفريط والإفراط] .

الآيات الواردة في «معرفة الله عزّ وجلّ»

1- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) «1»


2- وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) «2»


3-* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) «3»


4- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) «4»

5- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (83) «1»

6- إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) «2»

الآيات الواردة في «معرفة الله- عزّ وجلّ-» معنى

7- وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) «3»

8- أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) «4»


9- أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) «5»


10- قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) «6»

11- وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّامُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) «1»

12- سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) «2»

13- وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) «3»

14- قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) «4»

15- المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) «5»

16- هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) «1»

17- تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) «2»

18- قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) «3»


19- فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) «4»


20- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) «5»


21- أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (10) «6»

22- فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِوَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (22) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) «1»


23- اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) «2»


24- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) «3»


25- هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) «4»

26- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (79)وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) «1»

27- وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) «2»


28- سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) «3»

29- وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (29) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (30) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) «4»


30- إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) «5»


31- هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) «6»

32- أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11) «1»


33- وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (22) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) «2»


34- أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) «3»

الأحاديث الواردة في (معرفة الله- عز وجل-)

1-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّه قال: كنت رديف النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «يا غلام- أو يا غليّم- ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟» فقلت: بلى.

فقال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرّخاء يعرفك في الشّدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفّ القلم بما هو كائن، فلو أنّ الخلق كلّهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرا» ) * «1» .


2-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا بعث معاذا إلى اليمن قال: «إنّك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أوّل ما تدعوهم إليه عبادة الله عزّ وجلّ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أنّ الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوقّ كرائم أموالهم» ) * «2» .


3-* (عن أبي سعيد- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السّراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفّح، فأمّا القلب الأجرد فقلب المؤمن، سراجه فيه نوره، وأمّا القلب الأغلف فقلب الكافر، وأمّا القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثمّ أنكر، وأمّا القلب المصفّح فقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدّها الماء الطّيّب، ومثل النّفاق فيه كمثل القرحة يمدّها القيح والدّم، فأيّ المدّتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» ) * «3» .


4-* (عن أبي سعيد الخدريّ- رضي الله عنه- أنّ ناسا في زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:


«نعم» . قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس بالظّهيرة صحوا ليس معها سحاب؟، وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟» . قالوا:


لا. يا رسول الله! قال: «ما تضارّون في رؤية الله- تبارك وتعالى- يوم القيامة إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما «1» .

إذا كان يوم القيامة أذّن مؤذّن ليتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد. فلا يبقى أحد، كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب، إلّا يتساقطون في النّار.

حتّى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله من برّ وفاجر. وغبّر أهل الكتاب «2» . فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟.

قالوا: كنّا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد. فماذا تبغون؟. قالوا: عطشنا. يا ربّنا فاسقنا. فيشار إليهم:

ألا تردون؟ فيحشرون إلى النّار كأنّها سراب «3» يحطم بعضها بعضا. فيتساقطون في النّار. ثمّ يدعى النّصارى. فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنّا نعبد المسيح ابن الله.

فيقال لهم: كذبتم. ما اتّخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا. يا ربّنا فاسقنا. قال فيشار إليهم:

ألا تردون؟. فيحشرون إلى جهنّم كأنّها سراب يحطم بعضها بعضا «4» فيتساقطون في النّار. حتّى إذا لم يبق إلّا من كان يعبد الله تعالى من برّ وفاجر، أتاهم ربّ العالمين- سبحانه وتعالى- في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها قال: فما تنتظرون؟ تتبع كلّ أمّة ما كانت تعبد.

قالوا: يا ربّنا فارقنا النّاس في الدّنيا أفقر ما كنّا إليهم «5» ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون:

نعوذ بالله منك. لا نشرك بالله شيئا (مرّتين أو ثلاثا) حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب «6» . فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق «7» . فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلّا أذن الله له بالسّجود.

ولا يبقى من كان يسجد اتّقاء ورياء إلّا جعل الله ظهره طبقة واحدة «8» .

كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه. ثمّ يرفعونرؤوسهم، وقد تحوّل في صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة. فقال: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا. ثمّ يضرب الجسر على جهنّم. وتحلّ الشّفاعة «1» . ويقولون:

اللهمّ سلّم سلّم» . قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «دحض مزلّة «2» فيه خطاطيف وكلاليب وحسك «3» . تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السّعدان. فيمرّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالرّيح وكالطّير وكأجاويد الخيل والرّكاب «4» . فناج مسلّم. ومخدوش مرسل. ومكدوس في نار جهنّم «5» .


حتّى إذا خلص المؤمنون من النّار، فو الّذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدة لله، في استقصاء الحقّ «6» ، من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الّذين في النّار.

يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا ويصلّون ويحجّون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم. فتحرّم صورهم على النّار. فيخرجون خلقا كثيرا قد أخذت النّار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه.

ثمّ يقولون: ربّنا ما بقي فيها أحد ممّن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا. فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير «7» فأخرجوه.


فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها أحدا ممّن أمرتنا. ثمّ يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها ممّن أمرتنا أحدا.

ثمّ يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقا كثيرا. ثمّ يقولون: ربّنا لم نذر فيها خيرا «8» » .

وكان أبو سعيد الخدريّ يقول: إن لم تصدّقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (النساء/ 40) » .

فيقول الله- عزّ وجلّ-: شفعت الملائكة وشفع النّبيّون وشفع المؤمنون. ولم يبق إلّا أرحمالرّاحمين. فيقبض قبضة من النّار «1» فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قطّ. قد عادوا حمما «2» .

فيلقيهم في نهر في أفواه الجنّة «3» يقال له نهر الحياة. فيخرجون كما تخرج الحبّة في حميل السّيل «4» . ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشّجر. ما يكون إلى الشّمس أصيفر وأخيضر. وما يكون منها إلى الظّلّ يكون أبيض «5» ؟» .

فقالوا: يا رسول الله كأنّك كنت ترعى بالبادية. قال: «فيخرجون كاللّؤلؤ في رقابهم الخواتم «6» يعرفهم أهل الجنّة. هؤلاء عتقاء الله «7» الّذين أدخلهم الله الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه. ثمّ يقول: ادخلوا الجنّة، فما رأيتموه، فهو لكم.

فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين.

فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربّنا أيّ شيء أفضل من هذا؟. فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ) * «8» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال:

قال أناس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «هل تضارّون في القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فهل تضارّون في رؤية الشّمس ليس دونها سحاب؟» قالوا:


لا. قال: «فإنّكم ترونه كذلك، يجمع الله النّاس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد الشّمس الشّمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ويتّبع من كان يعبد الطّواغيت الطّواغيت وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته الّتي يعرفون فيقول:

أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذا جاء ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته الّتي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه ... الحديث» ) * «9» .


الأحاديث الواردة في (معرفة الله- عز وجل-) معنى

6-* (عن عائشة- رضي الله عنها- قالت:

كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فيغضب حتّى يعرف الغضب في وجهه ثمّ يقول: «إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» ) * «1» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (معرفة الله- عز وجل-)

1-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (الأعراف/ 172) قال: إنّ الله تبارك وتعالى ضرب منكبه الأيمن فخرجت كلّ نفس مخلوقة للجنّة بيضاء نقيّة، فقال: هؤلاء أهل الجنّة ثمّ ضرب منكبه الأيسر فخرجت كلّ نفس مخلوقة للنّار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النّار، ثمّ أخذ عهودهم على الإيمان والمعرفة له ولأمره والتّصديق به وبأمره وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدّقوا وعرفوا وأقرّوا وبلغني أنّه أخرجهم على كفّه أمثال الخردل) * «2» .


2-* (قال ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في تفسير قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (الأنعام/ 75) إنّه تعالى جلّى له الأمر سرّه وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلمّا جعل يلعن أصحاب الذّنوب قال الله: إنّك لا تستطيع هذا، فردّه كما كان قبل ذلك.

قال ابن كثير: فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتّى رأى ذلك عيانا ويحتمل أن يكون كشف عن بصيرته حتّى شاهده بفؤاده وتحقّقه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدّلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ وصحّحه عن معاذ بن جبل في حديث المنام «أتاني ربّي في أحسن صورة فقال: يا محمّد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت:

لا أدري يا ربّ، فوضع يده بين كتفيّ حتّى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلّى لي كلّ شيء وعرفت ذلك» ) * «3» .

3-* (وعن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- في تفسير قول الله عزّ وجلّ: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام/ 79) ، نُورٌ عَلى نُورٍ (النور/ 35) قال:

كذلك قلب المؤمن يعرف الله عزّ وجلّ ويستدلّ عليه بقلبه، فإذا عرفه ازداد نورا على نور، وكذا إبراهيم عليه السّلام عرف الله عزّ وجلّ بقلبه واستدلّ عليه بدلائله، فعلم أنّ له ربّا وخالقا، فلمّا عرّفه الله عزّ وجلّ بنفسه ازداد معرفة فقال أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ (الأنعام/ 80)) * «1» .

4-* (وعنه أيضا- رضي الله عنه-: أفضل العبادة الفقه في الدّين، والحقّ سبحانه وتعالى جعل الفقه صفة القلب فقال: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (الأعراف/ 179) ، فلمّا فقهوا علموا، ولمّا علموا عملوا، ولمّا عملوا عرفوا، ولمّا عرفوا اهتدوا، فكلّ من كان أفقه كانت نفسه أسرع إجابة وأكثر انقيادا لمعالم الدّين وأوفر حظّا من نور اليقين، فالعلم جملة موهوبة من الله للقلوب والمعرفة تميّز تلك الجملة) * «2» .


5-* (قال عمر بن الخطّاب- رضي الله عنه-: رحم الله تعالى صهيبا لو لم يخف الله لم يعصه، يعني لو كتب له كتاب الأمان من النّار حمله صرف «3» المعرفة بعظيم أمر الله على القيام بواجب حقّ العبوديّة) * «4» .

6-* (عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: اختصم رجلان، فدارت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو ما له عليه حقّ فنزل جبريل فقال: مره فليعطه حقّه، فإنّ الحقّ قبله، وهو كاذب، وكفّارة يمينه معرفته بالله أنّه لا إله إلّا هو، أو شهادته أنّه لا إله إلّا هو) * «5» .

7-* (قال البخاريّ: وباب قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم «أنا أعلمكم بالله» وأنّ المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (البقرة/ 225)) * «6» .

8-* (قال النّوويّ في شرح قوله صلّى الله عليه وسلّم «الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصّلاة ... إلى آخره» : أمّا العبادة، فهي: الطّاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا: معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصّلاة والصّوم والزّكاة عليها لإدخالها في الإسلام.


فإنّها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنّما اقتصر على هذه الثّلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره والباقي ملحق بها) * «7» .

9-* (قال الغزاليّ- رحمه الله-: أخوف النّاس لربّه أعرفهم بنفسه وبربّه، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم:

«أنا أخوفكم لله» ، وكذلك قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر/ 28) ثمّ إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب) * «1» .

10-* (وقال أيضا: الخوف من المعصية خوف الصّالحين، والخوف من الله خوف الموحّدين والصّدّيقين وهو ثمرة المعرفة بالله تعالى، وكلّ من عرفه وعرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية) * «2» .

11-* (وقال- رحمه الله- كذلك: لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلّا بتحصيل محبّته والأنس به في الدّنيا، ولا تحصل المحبّة إلّا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلّا بدوام الفكر) * «3» .

12-* (وقال أيضا: من عرف الله تعالى عرف أنّه يفعل ما يشاء ولا يبالي، ويحكم ما يريد ولا يخاف) * «4» .

13-* (قال ابن القيّم: اعلم أنّ الله تعالى خلق في صدرك بيتا وهو القلب، ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى وهو مستو على عرشه بذاته بائن من خلقه.

والمثل الأعلى من معرفته ومحبّته وتوحيده مستو على سرير القلب وعلى السّرير بساط من الرّضا، ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره.

وفتح إليه بابا من جنّة رحمته والأنس به والشّوق إلى لقائه. وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرّياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطّاعات. والتّهليل والتّسبيح والتّحميد والتّقديس.

وجعل في وسط البستان شجرة معرفته تعالى، فهي تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها من المحبّة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشّجرة ما يسقيها من تدبّر كلامه وفهمه والعمل بوصاياه، وعلّق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده فهو يستمدّ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (النور/ 35)) * «5» .


14-* (قال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة، فمن ازدادات معرفته زادت هيبته.

وقال أيضا: المعرفة توجب السّكينة. وقيل: علامتها أن يحسّ بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه) * «6» .


15-* (وقال الشّبليّ: ليس لعارف علاقة، ولا لمحبّ شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار) * «7»

16-* (قال الفيروزاباديّ (تعقيبا على كلام الشّبليّ في الأثر السّابق) : وهذا كلام جيّد، فإنّ المعرفة الصّحيحة تقطع من القلب العلائق كلّها، وتعلّقه بمعروفه فلا يبقى فيه علاقة لغيره، ولا تمرّ به العلائق إلّا وهي مجتازة) * «1» .

17-* (وقال أحمد بن عاصم: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف. ويدلّ على هذا قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر/ 28) .

وقول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «أنا أعرفكم بالله وأشدّكم له خشية» ) * «2» .

18-* (وقال هرم بن حيّان: المؤمن إذا عرف ربّه عزّ وجلّ أحبّه، وإذا أحبّه أقبل إليه) * «3» .

19-* (وقال أيضا: من عرف نفسه وعرف ربّه عرف قطعا أنّه لا وجود له من ذاته إنّما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله) * «4» .

20-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: من عرف ربّه أحبّه، ومن عرف الدّنيا زهد فيها، ومن خلا عن الحبّ هذا فلأنّه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربّه وخالقه فلم يعرفه حقّ معرفته وقصر نظره على شهواته ومحسوساته) * «5» .

21-* (وقال ذو النّون: الزّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين) *.

22-* (سئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه. وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبوديّة، وهو أنّه يتلّون في أقسام العبوديّة، فبينا تراه مصلّيا، إذ رأيته ذاكرا أو قارئا، أو متعلّما، أو معلّما، أو مجاهدا، أو حاجّا، أو مساعدا للضّعيف، أو معينا للملهوف، فيضرب في كلّ غنيمة بسهم.

فهو مع المنتسبين منتسب، ومع المتعلّمين متعلّم، ومع الغزاة غاز، ومع المصلّين مصلّ، ومع المتصدّقين متصدّق. وهكذا ينتقل في منازل العبوديّة من عبوديّة إلى عبوديّة، وهو مستقيم على معبود واحد لا ينتقل عنه إلى غيره) * «6» .

23-* (وقال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة، والحياء، والأنس) *.

24-* (وقيل: العارف ابن وقته. وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغول بوظيفة وقته عمّا مضى وصار في العدم، وعمّا لم يدخل بعد في الوجود، فهمّه عمارة وقته الّذي هو مادّة حياته الباقية.

ومن علاماته أنّه مستوحش ممّن يقطعه عنه. ولهذا قيل:العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلّ لله فأعزّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغفر بالله فأحوجهم إليه) *. 25-* (وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول.

يعني: أنّ العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره) * «1» .

26-* (قال الفيروزاباديّ: وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الّذي دعا إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى فيها سبحانه والدّار الآخرة والجنّة والنّار والملائكة والرّسل، كما قيل:

إذا سكن الغدير على صفاء ... فيشبه أن يحرّكه النّسيم بدت فيه السّماء بلا مراء ... كذاك الشّمس تبدو والنّجوم كذاك قلوب أرباب التجلّي ... يرى في صفوها الله العظيم ومن علامات المعرفة أن يبدو لك الشّاهد وتفنى الشّواهد، وتنجلي العلائق وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الرّبّ، وتقوم وتضطجع على التّأهّب للقائه كما يجلس الّذي قد شدّ أحماله وأزمع السّفر، على تأهّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه.

ومن علامات العارف: أنّه يأسف على فائت ولا يفرح بآت ولأنّه ينظر في الأشياء الفناء والزّوال، وأنّها في الحقيقة كالظّلال والخيال.

وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفا حتّى يكون كالأرض يطؤها البرّ والفاجر، وكالسّحاب يظلّ كلّ شيء، وكالمطر يسقي ما يحبّ وما لا يحبّ) * «2» .


27-* (وقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدّنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربّه.

وهذا من أحسن ما قيل، لأنّه يدلّ على معرفته بنفسه وعلى معرفته بربّه وجماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه، لهج بالثّناء على ربّه) * «3» .

28-* (وقال أبو يزيد: إنّما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم، والوقوف مع ما له. يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله تعالى. وقال آخر:

لا يكون العارف عارفا حتّى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين. وهذا يحتاج إلى شرح، فإنّ ما هو دون ذلك يشغل القلب، لكن إذا كان اشتغاله بغير الله لله فذلك اشتغال بالله) * «4» .

29-* (حكى الفيروزاباديّ عن بعضهم قوله: من عرف الله ضاقت عليه الأرض بسعتها.

وقال غيره: من عرف الله اتّسع عليه كلّ ضيق.

قال الفيروزاباديّ: ولا تنافي بين هذين الكلامين فإنّه يضيق عليه كلّ مكان لاتّساعه فيه على شأنه ومطلوبه، ويتّسع له ما ضاق على غيره لأنّه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه.

والأوّل في بداية المعرفة، والثّاني في غايتها الّتي يصل إليها العبد.

وقال: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله) * «1» .

30-* (وقال غيره: من عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلّ عين، ومن لم يعرف الله تقطّع قلبه على الدّنيا حسرات، ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه) * «2» .

31-* (قال ابن الجوزيّ: من ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبّة، فالرّضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته سبحانه رضيت بقضائه) * «3» .

32-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: ليس في الدّنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله تعالى، فإنّ العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمة علم من أهداها، وإن مرّ مرّ حلا مذاقه في فيه لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوّق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر، علما منه بالمصلحة، بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التّدبير) * «4» .

من فوائد (معرفة الله- عز وجل-)

(1) معرفة الله عزّ وجلّ هي أساس الإيمان به، والتّصديق برسله، وما أرسلوا به.

(2) معرفة الله عزّ وجلّ تورث السّكينة والرّضا، وتبعد عن العبد السّخط والغضب.

(3) العارف بالله تعالى من أطيب النّاس عيشا.

(4) المعرفة بالله عزّ وجلّ تورث محبّته سبحانه.

(5) معرفة الله عزّ وجلّ هي جماع السّعادة في الدّنيا والآخرة.

(6) من عرف الله عزّ وجلّ في الرّخاء عرفه الله عزّ وجلّ في شدّته وأنقذه منها.


(7) المعرفة في قلب المؤمن سراج ينير طريقه، أمّا معرفة المنافق الّتي يعقبها إنكار فإنّها تجعل قلبه منكوسا.

(8) العارفون بالله يوم القيامة يهديهم ربّهم بإيمانهم فيتّبعونه عندما يأتيهم في صورته الّتي يعرفونها (الحديث رقم 5) .

(9) العارفون بالله تعالى لهم أوفر حظّ من نور اليقين وأصحاب اليقين هم الفائزون في الدّنيا والآخرة.

(10) المعرفة تورث الخوف من الله عزّ وجلّ وتؤدّي إلى الخشية منه والبعد عن معاصيه.

(11) من ثمرات المعرفة الإقبال على الله عزّ وجلّ.

(12) قلب العارف يزداد نورا على نور.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ١٠ مارس ٢٠١٥ الساعة ٠٩:٤١.
  • تم عرض هذه الصفحة ١٬٥٨٣ مرة.