أدوات شخصية
User menu

نقض العهد

من الموسوعة الإسلامية الموثقة

اذهب إلى: تصفح, ابحث


النقض لغة

النقض مصدر نقضته أنقضه نقضا وهو مأخوذ من مادة (ن ق ض) التي تدل على نكث شيء، وربما دل على معنى من المعاني وعلى جنس من الصوت ... والنقض في الشعر من هذا كأنه يريد أن ينقض ما أربه صاحبه «1» . ونقض العهد منه أيضا «2» .

يقول الجوهري: النقض: نقض البناء والحبل والعهد ... والانتقاض: الانتكاث، وتنقضت الأرض عن الكمأة أي تفطرت.. والنقض: المنقوض مثل النكث «3» .

ونقض البناء: هدمه، وجعل الزمخشري نقض العهد من المجاز.. ونقضه ينقضه نقضا وانتقض، وتناقض. وانتقض الأمر بعد التئامه، وانتقض أمر الثغر بعد سده، ونقيضك: الذي يخالفك، والأنثى بالهاء «4» .

والنقض اسم البناء المنقوض إذا هدم..

ونقضت الحبل نقضا: حللت برمه، ومنه يقال:

نقضت ما أبرمه، إذا أبطلته، وانتقضت الطهارة:

بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه والأمر بعد التئامه، فسد «5» .

وقال ابن منظور: أصل الكلمة نقض ينقض من باب قتل يقتل، والنقض والنقض (بالكسر والضم) مثل الحمل والقفل. واقتصر الأزهري على الضم، واقتصر بعضهم على الكسر ومعناه: إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء، ويقال: نقض البناء والحبل والعهد يعني غيره، كما يقال نقض البناء إذا هدم، وأما المناقضة في القول: فمعناها أن يتكلم بما يتناقض معناه. والتناقض: الانتكاث، ويقال: نقضت ما أبرمه: إذا حللته «6» .

العهد لغة

وأما العهد فهو: اليمين والأمان والوصية والموثق والذمة، ومنه قيل للحربي يدخل بالأمان: ذو عهد ومعاهد (بكسر الهاء وفتحها) ؛ وذلك لأن العهد لا يكون إلا من اثنين فكل واحد يفعل بصاحبه مثلما يفعله صاحبه به، فكل واحد من المتعاهدين فاعل ومفعول- والمعاهدة: المعاقدة والمحالفة، وتقول: عهدت إليه بكذا: أي أوصيته، ومنه اشتق العهد الذي يكتب للولاة «1» .

النقض اصطلاحا

قال الراغب: النقض: انتثار العقد من البناء والحبل والعقد، وهو ضد الإبرام، ومن نقض الحبل والعقد استعير نقض العهد «2» .

وقال القرطبي: النقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد «3» .

العهد اصطلاحا

قال الجرجاني: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالا بعد حال. هذا أصله ثم استخدم في الموثق الذي يلزم مراعاته «4» .

عهد الله اصطلاحا

قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه (البقرة/ 27) .

اختلف الناس في تعيين هذا العهد فقيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره.

وقيل: هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به. وقيل: بل نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد ونقضهم ترك النظر في ذلك.

وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. فالآية على هذا في أهل الكتاب.

قال أبو إسحاق الزجاج: عهده- جل وعز- ما أخذه على النبيين ومن اتبعهم ألا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين (آل عمران/ 81) إلى قوله تعالى: وأخذتم على ذلكم إصري» أي عهدي «5» .

وقال الراغب: عهد الله تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجري مجراها «6» .

نقض العهد اصطلاحا

عدم الوفاء بما أعلن الإنسان الالتزام به أو قطعه على نفسه من عهد أو ميثاق، سواء فيما بينه وبين الله تعالى أو فيما بينه وبين الناس «7» .

الفرق بين العهد والعقد والميثاق

الميثاق: هو العهد المؤكد باليمين «8» .

والعهد أيضا: ما أخذه الله على بني آدم منالإقرار بربوبيته ووحدانيته، ويشمل أيضا ما أخذه على هذه الأمة أن يوفوا به مما أحل وحرم وفوض، ويتضمن العهد أيضا ما يكون من اتفاق بين المسلمين والمشركين. أما العقد: فهو ما عقده الإنسان على نفسه للآخرين من بيع وشراء ونحوهما، أو ما عقده لله تعالى من الطاعات كالحج والصوم وغيرهما من العبادات، وقيل: العهد إلزام (مطلق) ، والعقد إلزام على سبيل الإحكام والاستيثاق. وقيل: العقود ما أحل الله وحرم وفرض وحد في جميع الأشياء «1» .

الفرق بين النقض والخيانة

أن الخيانة تقتضي نقض العهد سرا «2» ، أما النقض فإنه يكون سرا وجهرا، ومن ثم يكون النقض أعم من الخيانة ويرادفه الغدر، وضد الخيانة الأمانة، وضد النقض: الإبرام.

حكم نقض العهد

قال الذهبي: الكبيرة الخامسة والأربعون:

الغدر وعدم الوفاء بالعهد، واحتج لذلك بقوله تعالى وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلا (الإسراء/ 34) وبقوله- عز وجل-: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ... (المائدة/ 1) وبعديد من الأحاديث منها «3» : الحديث الخامس (انظر الأحاديث الواردة في نقض العهد) .

أما الإمام ابن حجر فقد ذكر عدم الوفاء بالعهد على أنه الكبيرة الثالثة والخمسون، وقال: عد هذا من الكبائر هو ما وقع في كلام غير واحد «4» .

[للاستزادة: انظر صفات: الغدر- إفشاء السر الخيانة- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- اتباع الهوى- الحرب والمحاربة.

وفي ضد ذلك: انظر صفات: الوفاء- كتمان السر- المسئولية- الأمانة- الرجولة- الشهامة- السلم] .

الآيات الواردة «نقض العهد»

1-* إن الله لا يستحيفي ي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين (26) الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون (27) «1»

2- يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما (158) وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا (159) «2»

3-* ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل (12) فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنةمنهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون (14) «1»

4- إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58) ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) «2»

5- أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤن بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23) سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24) والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) «3»

الأحاديث الواردة في ذم (نقض العهد)

1-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» ) * «1» .

2-* (عن أنس- رضي الله عنه- أنه قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له» ) * «2» .

3-* (عن بريدة- رضي الله عنه- أنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر» ) * «3» .

4-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاش من مؤمنها» ، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولست منه) * «5» .

5-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان» ) * «6» .

6-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «7» .

الأحاديث الواردة في ذم (نقض العهد) معنى

7-* (عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رفع: «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا» . وعن قتادة عن أنس بن مالك حدثه: «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان» ) * «1» .

8-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه جمع بنيه وأهله- لما خلع الناس يزيد بن معاوية- ثم تشهد ثم قال: أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان. وإن من أعظم الغدر- أن لا يكون له الإشراك بالله تعالى- أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صلى الله عليه وسلم بيني وبينه» ) * «2» .

9-* (قال يزيد بن شريك التيمي أبو إبراهيم التيمي: خطبنا علي- رضي الله عنه- على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلقة فقال: «والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل، وإذا فيها:

المدينة حرم من عير إلى كذا، فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وإذا فيه: ذمة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا. وإذا فيه: من ولي قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) * «3» .

10-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» ) * «4» .

11-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه-قال: «بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية عينا وأمر عليهم عاصم ابن ثابت- وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أما أنا لا أنزل في ذمة كافر.

اللهم، أخبر عنا نبيك. فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل- وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر- فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته. قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني- وفي يده الموسى- فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله. وكانت تقول:

ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب- وما بمكة يومئذ ثمرة- وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله «1» فخرجوا به من الحرم ليقتلوه فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو. ثم قال: اللهم أحصهم عددا. ثم قال:

ما إن أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه- وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر- فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر «2» فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء» ) * «3» .


12-* (عن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: شهدت حلف المطيبين مع عمومتي،- وأنا غلام- فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه» .

قال الزهري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لم يصبالإسلام حلفا إلا زاده شدة، ولا حلف في الإسلام» وقد ألف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار) * «1» .

13-* (عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة، والشهر إلى الشهر- يعني رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما» ثم قال بعد ذلك: «إلا من ثلاث» قال: فعرفت أن ذلك الأمر حدث: «إلا من الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك السنة» قال: «أما نكث الصفقة أن تبايع رجلا ثم تخالف إليه، تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة:

فالخروج من الجماعة» ) * «2» .

14-* (عن رفاعة بن شداد أنه قال: كنت أقوم على رأس المختار فلما تبينت كذابته هممت وايم الله أن أسل سيفي فأضرب عنقه حتى ذكرت حديثا حدثنيه عمرو بن الحمق أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أعطي لواء الغدر يوم القيامة» ) * «3» .

15-* (عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعطى بيعة ثم نكثها لقي الله وليس معه يمينه» ) * «4» .

16-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة» ) * «5» .

17-* (عن ابن عمر- رضي الله عنهما- أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى صلاة الصبح فله ذمة الله فلا تخفروا الله ذمته فإنه من أخفر ذمته طلبه الله حتى يكبه على وجهه» ) * «6» .

18-* (عن عمرو بن عبسة- رضي الله عنه- أنه قال: كان معاوية يسير في أرض الروم- وكان بينه وبينهم أمد- فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحل عقدة ولا يشدها حتى يمضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فبلغ ذلك معاوية، فرجع) * «7» .

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (نقض العهد)

1-* (قال ابن هشام: كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: «يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك؟! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة.

إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سعيد ابن جبير- أو عن عكرمة- عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد* قد كان لكم آية في فئتين التقتا. أي أصحاب بدر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقريش فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (آل عمران/ 13) .

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين بدر وأحد.

قال ابن هشام: وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا وشد اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع) * «1» .

2-* (قال ابن هشام: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم: سلام بن أبي الحقيق النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة ابن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل- وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم- خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد.

أفديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا* أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا.. إلى قولهتعالى: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. أي النبوة فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما* فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا (النساء/ 51- 55) .

قال: فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واستعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم فيه. قال ابن إسحاق:

فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن وحذيفة ابن بدر في بني فزارة والحارث بن عوف المري في بني مرة، ومسعر بن رخيلة فيمن تابعه من قومه من أشجع. قال: وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم- وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وعاقده على ذلك وعاهده- فلما سمع كعب، بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه.

فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب افتح لي: قال: ويحك يا حيي، إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك «1» . أن آكل معك منها، فأحفظ «2» الرجل ففتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئتك بعز الدهر وببحر طام. جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد «3» . قد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب:

جئتني والله بذل الدهر، وبجهام «4» قد هراق ماءه، فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. ويحك يا حيي، فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب «5» حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا- أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهده، وبريء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد بن معاذ بن النعمان- وهو يومئذ سيد الأوس- وسعد بن عبادةابن دليم، أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج- وهو يومئذ سيد الخزرج- ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير- أخو بني عمرو بن عوف- فقال: انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه «1» ، ولا تفتوا في أعضاد الناس «2» ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس» . قال: فخرجوا حتي أتوهم، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم فيما نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه- وكان رجلا فيه حدة- فقال له سعد بن عبادة: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه، ثم قالوا: عضل والقارة، أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع «3» ، خبيب وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين» ) * «4» .

3-* (قال ابن هشام: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري للجوار الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف. فلما أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم يا أبا القاسم.

نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد- فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم فقال: أنا لذلك. فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ورسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه- فيهم أبو بكر وعمر وعلي- فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعا إلى المدينة.

فلما استلبث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه «5» ، قاموا في طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلا المدينة.

فأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهوا إليه صلى الله عليه وسلم، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم، والسير إليهم) * «6» .

4-* (قال قطبة بن أوس الغطفاني الجاهلي:

أسمي ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء لنا، بها في مجمع) * «7» .

5-* (قال أبو العالية: ست خصال في المنافقين إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذهالخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا) * «1» .

6-* (قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى- إن نقض العهد من صفات الفاسقين) * «2» .

7-* (قال محمد بن كعب القرظي- رحمه الله تعالى- ثلاث خصال من كن فيه كن عليه: البغي، والنكث، والمكر، وقرأ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله (فاطر/ 43) ، يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم (يونس/ 23) ، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. (الفتح/ 10)) * «3» .

8-* (وصف أعرابي قوما فقال: أولئك قوم أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فقالت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال.

كان يقال: آفة المروءة خلف الوعد) * «4» .

9-* (ذكر ابن عطية- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما (الفتح/ 10) : أن من نكث يعني من نقض هذا العهد فإنما يجني على نفسه، وإياها يهلك، فنكثه عليه لا له) * «5» .

10-* (قال ابن عطية- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ...

(النحل/ 92) الآية. شبهت هذه الآية الذي يحلف أو يعاهد أو يبرم عقدا بالمرأة التي تغزل غزلها وتفتله محكما، وشبه الذي ينقض عهده بعد الإحكام بتلك الغازلة إذا نقضت قوى ذلك الغزل فحلته بعد إبرامه) * «6» .

11-* (قال ابن عطية- رحمه الله تعالي-:

«كل عهد جائز بين المسلمين نقضه لا يحل» ) * «7» .

12-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون* الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون* فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون* وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء (الأنفال/ 55- 58) : أخبر الله تعالى أن شر ما دب على وجه الأرض هم الذين كفروا فهم لا يؤمنون.

الذين كلما عاهدواعهدا نقضوه، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، وهم لا يخافون الله في شيء ارتكبوه من الآثام، ثم يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: وإما تخافن من قوم قد عاهدتهم نقضا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهد فأعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم حتى يلتقي علمك وعلمهم بأنك حرب لهم وهم حرب لك، وأنه لا عهد بينك وبينهم على السواء أي تستوي أنت وهم في ذلك. وقد ذكر الإمام عن عمرو بن عبسة- رضي الله عنه- أنه قال:

كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد فأراد أن يدنو منهم فإذا انقضى الأمد غزاهم فقال له عمرو بن عبسة: الله أكبر، الله أكبر وفاء لا غدر. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» . فبلغ ذلك معاوية فرجع) * «1» .

13-* (وقال رحمه الله تعالى: إن من صفات المنافقين أن أحدهم إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان. ولذلك كان حال هؤلاء الأشقياء ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل. وهؤلاء ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) * «2» .

14-* (قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: الغدر حرمته غليظة لا سيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء) * «3» .

15-* (وقال- رحمه الله تعالى-: كان عاقبة نقض قريش العهد مع خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم أن غزاهم المسلمون حتى فتحوا مكة واضطروا إلى طلب الأمان، وصاروا بعد العزة والقوة في غاية الوهن إلى أن دخلوا في الإسلام، وأكثرهم لذلك كاره) * «4» .

16-* (قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله تعالى-: إن من نقض العهد الذي أبرمه يضر نفسه، كما أنه يجر على نفسه اللعن لقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ... (المائدة/ 13)) * «5» .

من مضار (نقض العهد)

(1) بغض الله له، والوعيد للمنافقين بالنار.

(2) تسلط الخلق عليه ونزع الثقة منه.

(3) من أمارات النفاق وصفات المنافقين.

(4) يضر نفسه قبل أن يضر غيره.

(5) تفكك المجتمع وشيوع البغضاء والفساد فيه.

(6) تسلط الأعداء على المجتمع، وسومهم إياه سوء العذاب.

  • آخر تعديل لهذه الصفحة كان يوم ٩ فبراير ٢٠١٥ الساعة ١٤:٤٠.
  • تم عرض هذه الصفحة ٢٬٦٨٥ مرة.